إذا جبتها عن طريق السياسة والأبحاث والتخطيط والأكاديمية، فستصل إلى نتيجة، وإذا جبتها عن طريق العرف والتاريخ والثقافة ستصل إلى النتيجة نفسها!. إذن تقريبًا كل الطرق تؤدي للاستنتاج نفسه!.

جماعة عاشت على نقض المواثيق والعهود والمراوغة واللف والدوران، ومحاولة إثارة الفتن لأكثر من أربعة عقود، ليس من الممكن أن تتعدل وينصلح حالها بين ليلة وضحاها. مستعدون نكتب 500 صفحة الآن عن تاريخ النظام الإيراني ومؤامراته وجرائمه ومحاولاته زعزعة استقرار الدول، لكن لا فائدة من تكرار المكرر. سأتكلم عن النظام الإيراني خلال الفترة القصيرة الماضية وعلاقته بالخليج وبدول المنطقة والدول الكبرى، أمور كثيرة تخرج للعلن وأمور أكثر تحت الستار، وتستطيع سماع بعضها أو جزء منها في بعض النقاشات بين الأكاديميين ومراكز الأبحاث المتخصصة والسياسيين السابقين، وبما أن أمريكا ليست أمريكا التي نعهدها، وأصبحت مجالس واشنطن وحتى لندن مثل المنخل في تسريب الأخبار.

النظام الإيراني بدأ يستخدم تكتيكا قديمًا/‏‏ جديدًا، أو بالأحرى قديمًا أضاف له بعض الإضافات. عندما جاءت الإدارة الأمريكية الحالية الساذجة، أصبح يتلاعب بإرسال رسائل متناقضة أو هكذا تبدو، يرسل رسائل أنه يرغب بالحوار من خلال دول وسيطة، وفي الوقت نفسه يحرض حلفاءه أو أذنابه في المنطقة، بزيادة الضغط والهجوم، ويعتبرها نوعًا من الشطارة في المفاوضات. لو أخذنا المباحثات السعودية/‏‏الإيرانية في العراق، كانت دون تقدم يذكر مع أنه بعث رسائل لأكثر من دولة في المنطقة وخارج المنطقة بأنه يرغب بالحوار، لكن النظام الإيراني استمر بتحريض ميليشياته، وهذا ما رأيناه من الحوثيين وهجومهم الوحشي الفاشل على مأرب وأيضًا حزب الله، وفي الوقت نفسه كان يعطي انطباعًا للدول الكبرى في فيينا أنه يحاول حل مشاكل المنطقة مع المملكة حتى لا يزيدوا الضغوط عليه في باب أنشطة النظام الإيراني الخبيثة والمخربة في الدول العربية. أيضًا استخدم الأسلوب نفسه مع الإمارات، فهل يعقل أن دولة محترمة في العالم أن يكون رئيسها مجدولا زيارة للإمارات، وفي الوقت نفسه تحرض ميليشياتها الحوثية لمحاولة قصف العاصمة الإماراتية ! إلا إذا كان هذا تفكير عصابة وليس تفكير دولة تحترم نفسها.


الملاحظ في الأسلوب الإيراني المحدث هو أربعة عناصر: أولا محاولة إحراج الدول الخليجية من خلال استخدام أكثر من وسيط محلي من المنطقة ودولي في الوقت نفسه، والإكثار من الوعود الهلامية أمامهم، حتى يبدو أنه يسعى لحل المشاكل.

ثانيًا تحريض الأذرع الإيرانية، ووضع ضغوط على الدول مثل الحوثيين في اليمن ضد الخليج، أو زيادة تخصيب اليورانيوم للضغط على أمريكا والأوربيين، وطالع النظام الإيراني بموضة جديدة كلما سوى أحد أذرعته شيئًا جسيما يجحد علمه بالموضوع، وأنه عمل دون علمه ومشورته، بينما الوضع (وش ما سوى الصبي جايز للمعزب)!.

ثالثا: تقديم تنازلات بسيطة للبعض دون البعض من باب فرق في المعاملة ربما تسود، يعني يقدم تنازلات لروسيا والصين، وليس للأوربيين، أو تقديم تنازل للوسيط دون الطرف الآخر.

رابعا: كل المفاوضات بطيئة كالسلحفاة، ومماطلات ودون نتائج تذكر، ويخطط على عامل الوقت للضغط على الأطراف.

أعتقد أن التعامل مع النظام الإيراني الحالي يحتاج تفعيل عاملين:

العامل الأول تفعيل مبدأ الردع: قضينا سنوات عديدة من عمرنا نبحث في سياسة الردع بشكل عملي في السياسة الدولية الواقعية، وهناك اختلاف كبير جدًا بين سياسة الردع و(ليس الرد)، ولأن الموضوع طويل ومعقد بعض الشيء وله حساباته، سأحاول اختصاره ببضع جمل. الردع ببساطة: هو تعهد بالعقوبة القاسية للطرف الآخر أو الخصم من أجل العدول عن فعل، أو نية القيام بفعل إذا علم أن خسائره من الفعل ستكون أعلى كثيرًا من استفادته منه، ودائمًا ما نفضل شخصيًا (الردع الحسابي أو المقاس). قد يغيب عن البعض أن إيران وميليشياتها تستخدم ميزة المرونة في الخسائر، لذلك عند تطبيق مبدأ الردع مع إيران يجب مضاعفة العامل الحسابي، وهذا ملموس وواضح في الموجات البشرية أيام الحرب العراقية الإيرانية. كانت إيران تخسر أضعافا مضاعفة عن عدد الجنود العراقيين للوصول لهدف بسيط، وهذا ملاحظ أيضا في هجوم مأرب، إيران خسرت عشرات آلاف المقاتلين، إذا إيران ضحت بجنودها في حرب 8 سنوات دون أي أهمية لأرواحهم، فما بالك بالتضحية بشيعة الشوارع أو كلاب الشوارع كما يطلق الإيرانيون على الحوثيين، لذلك أفضل دائما (رفع العدد الرقمي للردع عن المعتاد عند التعامل مع الميليشيات الإيرانية). ومن باب المثال للتبسيط وليس الحصر، توضع نقاط لكل عمل عدائي من الميليشيات الحوثية، وبناء عليه الاستجابة لا تكون معتادة، ومع الوقت سيثبت مبدأ الردع (فإذا أطلق الحوثيون صاروخا مثلا على منطقة معينة ستكون زيادة عدد الطلعات والقصف يتضاعف مباشرة بشكل غير مسبوق أو في ذلك اليوم، أو ما يليه بعدد معين، أو يكون القصف لأهداف خاصة أو إستراتيجية، لها أهمية معينة. لكن إذا بقيت الطلعات على المنوال نفسه والعدد، ربما لا يشعر بتوازن الردع، وهناك أمثلة كثيرة وتفاصيل لمبدأ الردع لا يتسع المجال لذكرها. وممكن تطبيق مبدأ الردع مع الأذرع الإيرانية كافة وليس فقط الحوثيين. العامل الآخر، هو دخول العامل الإسرائيلي في المعادلة، صحيح هناك نقاط خلاف كثيرة بين الخليج وإسرائيل، وربما لا أرى حرجا صراحة عندما يكون الموضوع يتعلق بحياة المنطقة ومصالحها العليا، شئنا أم أبينا إسرائيل جزء من المنطقة، ولها نفوذ وأذرعة ووسائل عديدة ومدعومة من الدول الكبرى، وتاريخيا إذا كان الحلفاء الغربيون تحالفوا مع السوفييت من أجل تدمير ألمانيا النازية في الحرب العالمية، فما بالك بإسرائيل التي لا أعتقد أن الخليج لديه خلافات كبرى معها كما كانت بين السوفييت وأمريكا سابقا، بل بعض دول الخليج تملك علاقات جيدة معها، لماذا لا يكون هناك تعاون وتنسيق في الملف الإيراني من باب (نتعاون فيما لنا مصلحة مشتركة فيه وليعذر بعضنا بعضا في الملفات الأخرى التي قد تحل مستقبلا). لا يجب أن نتأثر كخليجيين ببعض أصوات اليسار أو القوميين العرب الصدئة، التي لم تكسب قضية في حياتها، وبما أن إسرائيل تهدد وتتوعد النظام الإيراني يوميا من باب (بس فكوني عليه)، لماذا لا تقدم لهم تسهيلات لنرى أفعالها بإيران من باب فكوه و(ورنا ركضك بالسروال!). إسرائيل تقول عندها مشاكل تمويل وقيود مالية وإلا ستهاجم أذرعة إيران ليل نهار ! طبعا العديد من الإسرائيليين معروف عنهم البخل (جلدة) لكن لماذا لا تقدم لهم تسهيلات لكي يضاعفوا العمل ضد إيران، نعتبرها بما يشبه (اوت سورسنج) والدعم والتمويل والتسهيلات على (كي بي أي) أو تحقيق أهداف.

وعلى العموم الخليجيون لربما يحتاجون للتنسيق مع قوى المنطقة الأخرى، خصوصا مع انكفاء وسذاجة الدور الأمريكي في العالم من فضيحة أفغانستان إلى أوكرانيا إلخ.

لو درست سلوك النظام الإيراني سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا وأكاديميًا، تعرف أن هذا النظام لا يؤمن إلا بالقوة، وكل هذا يصب أيضًا مع القناعة التاريخية في سلوك النظام والتعامل معه ومع ميليشياته خصوصًا حوثيي الشوارع.

إذا كنت في حيرة من الأمر و(مترددا) بعد كل ما قيل وتحس أنه يمكن التعامل والتفاوض مع النظام الإيراني وميليشياته من حوثيي الشوارع وحزب الله، فأهلنا الأولون يقولون:

اضرب على الكايد ليا صرت بحلان !

عيب على اللي يتقي عقـب ما بان *** وعيب طمان النفس عقب ارتفاعه

الناس مـا تسقيك ليا صرت ظميان *** ولا يشـرب المظمي حذا من ذراعه

اضرب على الكايد ليا صرت بحلان *** وعنـد الولي وصل الرشا وانقطاعه