المعلومات التي نشرت في لندن عن اعتقال مسؤولين عسكريين وضباط استخبارات في موسكو على خلفية اتهامهم بإعطاء فلاديمير بوتين معلومات غير صحيحة عن الوضع الأوكراني، تشير إلى أمرين أساسيين.

الأول هو أن بوتين مثل سائر الطغاة يريد تحميل غيره تبعات قراراته الفاشلة. والثاني هو أن هذه الرواية برمتها قد (قد !) تحمل إشارات إلى استعداد زعيم الكرملين للتفاوض في أدنى الاحتمالات، ولإيقاف الحرب في أقصاها. الاعتقالات التي شملت رئيس جهاز الاستخبارات ونائبه وعددا من الجنرالات ليست خبرًا مألوفًا في روسيا بوتين، لكنها لا تخرج عن مأثورات روسيا في العقود الماضية.. لا في العهد السوفياتي ولا قبله في العهد الإمبراطوري.

أما مع بوتين فهي استعادة لذلك الأداء من جملة الاستعادات التي يعمل عليها، ولا تنفصل عن الصورة التي يريد ترسيخها داخليا وخارجيا من أنه ديكتاتور تام بصلاحيات كاملة ويستطيع أن يفعل ما يشاء. وصعب جدا الأخذ بالتبرير الذي يقدم لتلك الاعتقالات: ليست أوكرانيا دولة مقفلة ونائية ومستجدة في لائحة الأعداء كي يقال إن بوتين يحتاج إلى أخذ معلومات استخباراتية عن أوضاعها !


هذه نكتة سمجة خصوصا أن هوس بوتين، رجل الاستخبارات السابق، بالجارة المتفلتة يجعله في غنى عن كتابة التقارير لإعانته على اتخاذ قراره المدمر في شأنها..!

أما إذا كان الأمر كذلك فتلك كارثة ! وإذا لم يكن كذلك، وهذا الأرجح، فإن الهدف من تمرير خبر الاعتقالات هو تكرارا، محاولة وضع مسؤولية التعثر الخطير في خطة السيطرة على أوكرانيا على مرؤوسيه أولا، ثم محاولة تبرير الخسائر الكبيرة بشريا وآليا أمام عموم الروس المتبرمين أصلا من الحرب..

أما بالنسبة لاعتقال الجنرالات الكبار فهو يمكن أن يكون في مكانه لجهة التقصير الميداني لكن الأمر يغفل مسؤولية بوتين نفسه الذي لم يحسب صحيحا قدرة الأوكرانيين على التصدي والصمود والمواجهة ولا تصميم القيادة في كييف على القتال ضد الجار الأكبر والأخطر الهادف إلى إعادة الزمن إلى أيام البؤس السوفياتية السابقة !

هو صاحب القرار والمسؤول عن هذه النكبة. وهو المستبد الذي يريد من حوله أن يسمعوه ما يناسبه ويناسب طروحاته وليس الحقائق والوقائع التامة..

مشكلته في أوكرانيا ليست في تعثر الزحف العسكري بل في رأسه هو أولا ! في افتراضه القدرة على إلغاء دولة بالقوة من الوجود ! وعدم استيعاب معنى ذلك أوروبيا وأمريكيا وعالميا في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين ! وعدم توقع حجم ردود الفعل على جريمته ! ثم قصوره الخطير عن توقع مدى قدرة روسيا على تحمل تبعات تلك الجريمة ماليا واقتصاديا وديبلوماسيا وأخلاقيا !

فلاديمير بوتين أسير شرنقته وأسلوبه وعدم اتزانه: ضابط استخبارات يريد أن يحكم دولة عظمى على طريقة عمل جهاز الأمن ! ويريد أن «يفرض» بالقوة والعنف نهجه على الخارج مثلما يفعل في الداخل الروسي.. رجل أمر يعمل في السياسة.

ورجل سياسة لكنه ليس استراتيجيا ولا يعرف العالم ولا يفهمه من خارج الأطر الذهنية التي تدرب عليها واعتمدها ونجح فيها ! يشبه في ذلك ما كانه صدام حسين في العراق لكن مع جرعة عنف داخلي أقل ! صاحب رأي لكنه ليس رؤيويا.

وصاحب مشروع استعادي لكنه لا يعرف التمييز فيه بين الممكن والمستحيل !

رجل قوي لكنه ليس رجل دولة. يتفاخر بعضلاته وليس بعقله. ويستعرض قدراته الجسمانية وكأنه ذاهب إلى مباراة ملاكمة أو جودو وليس حاكما لأمة تعج بالعباقرة والمبدعين والعلماء والمخترعين في كل المجالات، وأنتجت للبشرية إرثا أدبيا وفنيا لا يفنى !

أخطأ في حساباته ووقع في الجبّ. والمصيبة هي أنه لا يستطيع التراجع الآن.

ولذلك ربما، قد يكون خبر الاعتقالات في موسكو بداية لتلمس عذر التراجع طالما أن «سوء التقدير» سببه خطأ الاستخبارات ! لكن مع شخص خطير ومقفل ويعتقد أنه على حق، لا تصحّ حسابات المنطق. وقد يتبين لاحقا ربما، أن بوتين وجه ضربة استباقية لمكامن الخطر الداخلي عليه في مجتمع الاستخبارات والجيش. وأقفل بابا قد تأتي عبره رياح المحاسبة على الفشل في أوكرانيا وأمام الناتو والعالم ! كان يوري اندروبوف رجل الاستخبارات والأمن الأول في الاتحاد السوفياتي.

والوحيد من نوعه ربما، الذي عرف كيف يوظف «معلوماته» في خدمة بلده. واقعيته جعلته يتلمس من دون رتوش حقيقة الحال في الإمبراطورية الاشتراكية «العظمى»، ومدى الهريان الضارب في البنى التحتية والفوقية لمعظم دولها ولمركزها في موسكو.

انتبه باكرا إلى انسداد الأفق أمام إمكانية مقارعة العالم الغربي في ظل الحقائق والوقائع الأساسية التي عرفها عن قرب... ورأى ما لم يره غيره في القيادة السوفياتية، وحاول الإنقاذ: هو من «اكتشف» ميخائيل غورباتشوف ومساره الانفتاحي والإصلاحي، ودفع به إلى الصفوف الأولى ممهدا أمامه الطريق نحو القمة..

وهو من «اكتشف» الضابط الشاب في جهاز الاستخبارات فلاديمير بوتين وجعل منه أحد أعمدة الأمن الإستراتيجي وعضوا في النخبة المصطفاة لذلك الجهاز الأسطوري. والسيرة تقول إن اندروبوف «شاهد» الانهيار قبل أن يحصل وحاول تفاديه، مباشرة بعد أن وصل إلى قمة السلطة في العام 1983، واستراتيجيا من خلال تحضير الزعيم الشاب غورباتشوف للقيادة في اللحظة المناسبة.

والافتراض يقول إنه بنى رؤاه على استنتاجين: الأول هو أن الإصلاح من دون قوة يوصل إلى الفوضى. والثاني هو أن القوة من دون ضوابط توصل إلى الكارثة !.

و المفارقة العجيبة هي أن محاولة الإصلاح التي قادها غورباتشوف انتهت إلى الخراب وحصل الانهيار «الحتمي» !

فيما عملية الإحياء التي يقودها بوتين تذهب ركضا إلى النتيجة نفسها مع جرعة رعب ارتدادي دولي غير مسبوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. !

كان اندروبوف واقعيا ورؤيويا. وآخر همه البلف والاستعراض، لكن ربيبه وتلميذه بوتين لم يتعلم منه، سعة الأفق وبعد النظر وخطورة تجاهل الحقائق والأرقام، ثم تجاهل خطورة الخلط بين الأمنيات والإمكانات، والمبالغة في تقدير الذات ! والعبرة الأولى هي أن رجل الدولة الاستراتيجي يكون واقعيا ولا يكذب على حاله ولا على غيره...

وبوتين على ما يبدو لا يفعل غير ذلك من وراء تسريب خبر تافه عن «اعتقالات» في موسكو !

* ينشر بالتزامن مع موقع لبنان الكبير