الفيلسوف الألماني- الأمريكي بول تيلتش، ورفقة نظرائه من الفلاسفة واللاهوتيين، لا يكتب منطلقًا، من عتبة صفرية أو صفحة بيضاء، مما يقتضي القول إن تحليلاته الوجودية تحمل ملامح أسلافه ومعاصريه من الفلاسفة، هكذا يصفه ناصر أبو الهيجاء وِهو يترجم كتابه «بحثي عن المطلقات».

يستند أبو الهيجاء إلى ما تشهد به متون كتب تيليتش نفسها بما فيها من إحالات إلى غير فيلسوف، بيد أن مارتن هيدجر يحضر، لسبب لا نعلمه، حضورًا باهتًا في تلك المتون على الرغم من تربعه الظاهر بين سطورها؛ فهو حاضر، مثلا، في ثنايا هذا الكتاب، لا سيما لدى حديث تيليتش عن مطلقية الوجود، لكن هذا لا يعني أن تحليلات تيليتش لم تخالطها جدة وإضافات أغنت الأدبيات الوجودية واللاهوتية على حد سواء.

القلق الروحي

تناول تيلتش في كتابه هذا «إرث السقطة» الماثل في القلق الأخلاقي، والروحي، ويوضح المترجم: ترافقت تحليلاته بشجاعة وجودية حين عمد إلى تديين الأجوبة الخلاصية فيما خص صور القلق المذكورة، فرأى في العناية الإلهية جوابًا خلاصيًا على القلق الأنطيقي، وفي المغفرة جوابًا على القلق الأخلاقي، أما الإيمان بالله فجاء عنده جوابًا على القلق الروحي، وغير خفي ما ينطوي عليه هذا الاتجاه من شجاعة في عصر بات فيه معيار الصحة، المعرفية والأخلاقية معيارًا إنسانيًا بالكلية.

وقد صدرت جمهرة من المستشرقين عن هذا المعيار، حين ذهبت إلى أن هناك حضورًا إلهيًا طاغيًا ينتظم عقد القرآن الكريم فاتحته إلى خاتمته، بينما من الممكن لذات وجودية متحللة من من المسؤولية الوجودية والأخلاقية، أو لعله استحال إلى ضرب من العقيدة الجمالية ذات الأصل الأرستقراطي كما لدى شوبنهاور؛ الذي رأى في الفن خلاصًا جماليًا، أو لدى ميشيل فوكو في ما دعاه «الانهمام بالذات» بما هو صورة من صور الوجود.

الواجب الأخلاقي

الكتاب الذي هو في الأصل سيرة فكرية وضعها تيليتش قبيل وفاته، ونُشرت إثرها، يأتي مثالاً شيقًا على شجاعة تيليتش الوجودية وعمق معرفته الفلسفية، ويمثل آخر ما أنتجه البروفسور من أفكار كبرى قبل وفاته في عام 1965.

ويشير تيليتش -حسب الناشر دار الرافدين- إلى السمة المطلقة للواجب الأخلاقي، مدركًا ومبينًا، في الآن ذاته، تمظهرها النسبي في كل فعل يقوم به الإنسان وفي كل قرار يتخذه، ويواجه القارئ، لدى تتبعه المادة السيرية التي تتصدر هذا النص، موهبة تيلتش المتفردة في تصوير التساكن البنيوي والقرابة بين التجربة الحسية والطبيعة المنطقية للعقل، فضلاً عن تصوير توافقهما على الرغم من تجافيهما الظاهر، ذلك إن وطأة الوجود البشري، بمأزقه وعظمته، تكمن فيما حمله الإنسان من عهد لا متناه، كما تكمن، أيضًا وبنوع من المفارقة، بمقدرته المتناهية لإنجاز هذا العهد والوفاء به، وهكذا، فإن البحث عن المعنى اللامتناهي في حياة كل إنسان، تاريخيًا وروحيًا، لا يدوم بسبب الطوارئ الوجودية للشرط الإنساني وإنما على الرغم منها، وتكمن في هذه العملية الطبيعة الغامضة للواقع.

المأزق البشري

تبين تيلتيش، العلاقة بين الأفلاطونية، والتراث الكتابي، والوضع الفلسفي لزمننا الحاضر، كما أعاد التفكير في الإرث الكتابي وامتحانه في ضوء المشكلات الوجودية لعصرنا، وأظهر أن الوحدة القائمة بين الحرية الإمبريقية والضرورة المتعالية تطبع الرموز جميعها؛ ما هو غير مشروط وما هو مشروط، ومجسدًا، بذلك، العلاقة بین الإنسان في القرن العشرين، وبين الروح التاريخية والمعاصرة، ولم تختف المقدمة الإيمانية (preamble)؛ التي تمثل نقطة البدء والمعاد في لاهوت تيليتش الفلسفي تمامًا، وتضفي على لاهوت تيليتش دليلاً إضافيًا على ميتافيزيقا تيليتش وتعاليمه الأخلاقية والاجتماعية المبنية على مبادئ المقدمة الإيمانية ذاتها، وذلك على الرغم من غموض المقدمة الإيمانية كما جرى اختبارها في صلب المأزق البشري.

غنى

الوجود التاريخي

يستهل تيلتش كتابه بسيرة من أجواء نشأته وعلاقة طفولته بالطبيعة، مشددًا على غنى التاريخ الأوروبي مقابل تاريخ أمريكا، ذاكرًا أن الحجر في الطبيعة -مثلا- كان شاهدًا على قرون خلت بما ينمي لديه حسًا بالتاريخ، لا بوصف الأخير مسألة معرفية، وإنما بما هو واقع حي يشارك الماضي، عبره، في الحاضر.

ويضيف: تعاظم تقديري لهذه الخصيصة أكثر وأكثر حين قدمت إلى أمريكا، فقد لاحظت في محاضراتي ولدى لقائي بالناس في زياراتي، فضلاً عن محادثاتي مع الطلبة، أن التوحد العاطفي المباشر مع واقعية الماضي وحاضريته منعدم تقريبًا، إذ يلم كثير من طلبة هذه البلاد إلمامًا كبيرًا بالوقائع التاريخية، غير أن هذه الأخيرة لا تثير اهتمامهم، فيما يبدو، على نحو عميق، فهي تبقى مواضيع وأشياء متعلقة بفكرهم ومعارفهم دون أن تستحيل، مطلقًا، إلى عناصر في نسيج وجودهم، وإنه لقدر الأجيال الأوروبية أن تخبر غنى الوجود التاريخي وتراجيديته، وأن تفكر، استتباعًا، ضمن الأفق التاريخي، في حين بدأ التاريخ الأمريكي من لحظة فقد الماضي بكل ما فيه من غنى وأحمال تراجيدية، وعليه، فقد كانت أمريكا مقتدرة على التفكير ضمن معاني المستقبل وآفاقه.

* منهجية علم اللاهوت (1951 - 1963)

3 مجلدات أشهر أعمال بول تيلتش الذي طور فيه «طريقة الارتباط» خاصته، وهو نهج لاستكشاف رموز الوحي المسيحي كإجابات عن قضايا الوجود الإنساني التي أثارتها تحاليل الفلسفة الوجودية المعاصرة.

بول يوهانس تيليش

* فيلسوف وجودي ولاهوتي ألماني أمريكي.

* ولد في 1886 بقرية ستارسيدل (بولندا حاليًا) في الإمبراطورية الألمانية.

* أصبح واحدًا من أشهر اللاهوتيين في القرن العشرين.

*ارتكزت فلسفته على إعادة فهم المسيحية على الأساس الوجودي وإعادة كتابة تاريخ اللاهوت العقائدي والفكر الديني.

أشهر مؤلفاته

* النظام اللاهوتي (1951-1953).

* الشجاعة لتكون (1952).

* ديناميكيات الإيمان (1957).

* توفي سنة 1965 في شيكاغو.

التحق بالعديد من الجامعات

* جامعة برلين ابتداءً من عام 1904.

* جامعة إبرهارد كارل في توبنغن في عام 1905.

* جامعة مارتن لوثر في هاله فيتنبرغبين عام 1905 و1907.

* حصل عام 1911 على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة بريسلاو.

* عُيّن عام 1912، قسيس أللوثري في مقاطعة براندنبورغ.

* انضم (أثناء الحرب العالمية الأولى) إلى الجيش الإمبراطوري الألماني كقسيس.

* بدأت حياته العملية الأكاديمية بعد انتهاء الحرب.

* أصبح تيليتش أستاذًا مساعدًا في علم اللاهوت في جامعة برلين، بين عامي 1919- 1924.

* دخل في صراع مع الحركة النازية، أدى إلى طرده من عمله، بعد تنصيب أدولف هتلر مستشارًا لألمانيا 1933.

* انضم إلى الهيئة التدريسية في اتحاد المعاهد اللاهوتية في نيويورك.

* انتقل في سن السابعة والأربعين مع عائلته إلى الولايات المتحدة.

* أصبح واحدًا من الخمسة ذوي الرتب الأعلى في جامعة هارفارد.