قدماء المصريين مارسوا التحنيط، والذي يحفظ الجسد في أفضل صورة، حتى يتمكن من الدخول إلى الحياة الأخرى ككيان واحد، وفي أقوال أخرى لتتعرف الروح على الجسد، فعلى الجسد أن يبقى على حالته التي تركته فيها الروح، لذلك ابتكروا عملية التحنيط، التي لها أسرارها ولم يتقنها أحد مثل قدماء المصريين، الذين استخدموا الزيوت النباتية والحيوانية والصمغ ومستخلصات النباتات العطرية، لمنع تعفن الجسد.

الخلود فكرة تُراود الإنسان، من قبل التاريخ، منذ الحضارة القديمة، باختلاف العقيدة والمفهوم.

ولأن الخلود هاجس لدى البشر، ما فتئ يحاول طريقة تلو الأخرى، وانتقل الأمر من التحنيط إلى التجميد، التجميد يقوم على فكرة حفظ جسد الإنسان بعد موته في درجات حرارة منخفضة جدًا، مع الدعم الخارجي للقلب والرئتين، ويستبدل دم الإنسان بسائل غير قابل للتجلط، ويُحتفظ بالجسد في صندوق ممتلئ بالنيتروجين إلى أجل غير مسمى، حتى يتوصل العلم إلى كيفية إعادة الحياة لهذا الجسد، المهم أن يبقى على حاله.

بعض المشاهير الذين استهوتهم الفكرة دفعوا ملايين الدولارات للاحتفاظ بأجسادهم بعد موتهم، وآخرون اختاروا أن يحتفظوا بأدمغتهم، وأوصت فتاة لم يتجاوز عمرها 14 عامًا، بتجميد جسدها بعد موتها بمرض السرطان الميؤوس منه، لعلهم يجدون له علاجًا يومًا فتعيش من جديد.

ومن أشهر شركات تبريد الجثث وتخزينها، الكور، والتي تأسست عام 1972، رغم أن التجميد بدأ قبل هذا التاريخ، ففي عام 1967 تم تجميد العالم الأمريكي جيمس بيدفورد.

والكور ليست شركة التجميد الوحيدة في العالم، بهدف الإحياء المستقبلي بعد الموت! والهدف الأكثر نبلاً هو استخدامها مع الحالات المرضية الميؤوس من شفائها في الوقت الراهن. ورغم أن هناك قرابة 350 جثة مجمدة تنتظر تطور العلم لإحيائها، إلا أنني أعد هذا ضربٌ من الخيال العلمي، أو لأكون أكثر دقة، هو فنتازيا علمية.

هناك فيلم سينمائي عُرض عام 1993 يناقش هذا الأمر (Demolition Man) رجل الدمار، يحكي الفيلم قصة شرطي وشرير تمّ تجميدهما لعقودٍ طويلة، عقوبة لهما، ومن ثم تمّ بعثهما من جديد. ولكن على أرض الواقع لم يتم بعث أيٍا من الـ 350 المجمدة أجسادهم.

هذه الممارسة برغم الترويج لها، فإنها مجرد حلم يبدو بعيد المنال، فالموت هو الحقيقة التي لا يستطيع تفسيرها العلم إلا بعبارة (هبوط حاد في الدورة الدموية والتنفسية).

أحيانًا التعاطف مع الأموات يدفع الأحياء لتقديم ما يقارب 200 ألف دولار للاحتفاظ بمن يحبون، فلربما يُبعثون مرة أخرى، وآخرون يرون أن أدمغتهم أهم ما لديهم، فيدفعون 80 ألف دولار مقابل تخليدها.

أتذكر الآن قصة (أهل الكهف)، ومعجزة بقائهم نيامًا لأكثر من 300 عام. النوم عملية فسيولوجية تبطؤ فيها العمليات الحيوية، ولكن يبدو أن الأمر أكثر تعقيدًا، وكأن عملياتهم الحيوية توقفت تمامًا، ليستيقظوا كما ناموا أول مرة، معجزة آلهية.

هناك أشياء علينا أن نعرفها أكثر، وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا.

استفاد الإنسان من فكرة التبريد والتجميد، ومبدأ إبطاء العمليات الحيوية، لتقليل تضرر الخلايا، ففي حالات الاختناق الولادي مثلًا، يستخدم تبريد المولود، إما بتبريد رأسه فقط أو بتبريد كامل جسده، حتى يتجاوز المرحلة الهدمية التي تحدث نتيجة نقص الأوكسجين، فيقل الضرر على الدماغ. تجميد الأعضاء لإعادة زراعتها، أحد استخدامات مبدأ التجميد، تجميد الحيوانات المنوية والبويضات للحفاظ على الخصوبة، كذلك تجميد الأجنة، في حالات التخصيب، فيزرع جنين إلى جنينين والاحتفاظ ببقية الأجنة الجيدة مجمدة لزرعها في وقتٍ لاحق، حفاظًا على استمرارية الحمل وسلامة الأجنة، والتجميد هنا يعمل بالآلية نفسها، وهي إبطاء العمليات الحيوية وإيقافها أثناء التجميد، إلى حين زراعتها في رحم الأم.

إعادة شخص إلى الحياة بعدما كاد أن يفارقها، فعل يمارسه المسعفون والمنقذون بإذن الله، البعث بعد الموت ليس من مهام الإنسان، ولكن التجميد الذي اخترعه ساعد على عدم انقراضه وبقاء سلالته.