عاشت شعوب العالم في ظل أزمة كورونا، جملة من الشائعات والتنبؤات المستقبلية التي ينتشر بعضها دون وقائع حقيقية وأدلة مؤكدة، وتبشر بولادة نظام عالمي جديد، تديره حكومات سرية تسيطر على كوكب الأرض، بهدف تكوين حكومة عالمية موحدة. وفكرة وجود نظام عالمي يوحد الشعوب، في ظل حكومة عالمية شاملة لا تدخل ضمن إطار (نظريات المؤامرة)، بل هي عقيدة دينية قديمة آمنت بها الشعوب الأوروبية، كما آمنت بها الشعوب الآسيوية. فقد أعلت الشعوب الأوروبية حلم العيش في مدينة الرب المسيحية، كما أعلت الشعوب الشرقية أمل العيش في أرض الخلافة.

فكرة النظام العالمي الشامل، مفهوم مطلق طوباوي، يفترض وجود نظام موحد على الرغم من عنصري التعددية والفوضى، وقادر على تنظيم الإنسانية قاطبة وتوحيد ثقافتها، حتى يصبح العالم كله نظاما أحاديا متناغما. ما يؤدي إلى خلق عالم بلا حدود، وكل دولة لا يعترف لها بحق السيادة على أرضها. وإن كان هذا النظام العالمي الكوكبي لم يكن موجودا بالفعل وجودا مطلقا، لكنه ظل حلما منشودا في سبيل اختزال الطابع الفوضوي للعالم، وتوحيد شعوب الكوكب مما يفرض عليها حقيقة واحدة وقاعدة شاملة تنظمها.

مرت شعوب القارة الأوروبية بتجربة الانتظام في إطار حكومة موحدة هي الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وفي ظل كنيسة بابوية شاملة، ولكن بعد تفكك روما وكنيستها واستقلال الدول والقوميات المؤلفة للإمبراطورية الرومانية، أي بعد حركة الإصلاح الديني التي نسفت مفهوم أي نظام شامل، قائم على مفهوم البابوية القديم، أخذت الأمم الأوروبية تتطلع إلى نظام يوحدها ويمهد الطريق إلى سلطة موحدة، أي نظام أممي قائم على أمان سياسي عام، ووحدة مدنية بدلا من العيش في ظل حروب لا تنقطع، فكل القوى السياسية في القارة المسيحية تتطلع نحو السيطرة على تركة الإمبراطورية الرومانية المقدسة.

يقول وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر: «غير بعيدة عن الولايات المتحدة في اندفاعها غربا، كانت روسيا قد شحنت غزواتها بالتبرير الأخلاقي المتمثل بأنها كانت تنشر النظام والأنوار في بلاد عبدة الأوثان»، وطبعا أي محادثات سلام واتفاقيات ومؤتمرات تجري بين القوميات الأوروبية، كلها تصب في المقام الأول في سبيل توفير السلم للعالم المسيحي، عبر تحقيق حالة من توازن القوى بين الأطراف المتنازعة. وكبح جماح أي قوة سياسية تشعر بأنها في وضع سياسي أو ديني يمكنها من الهيمنة على باقي القارة المسيحية (أوروبا)، وعلى هذا الأساس قامت الحروب العالمية الأولى والثانية، وبعدها الحرب الباردة، للهيمنة على أوروبا في المقام الأول وبالتالي الهيمنة على بقية العالم من خلال فرض نظام عالمي يقوم إما على مبادئ دينية أو مبادئ ديمقراطية وحقوقية، وفق اتفاقيات ومعاهدات دولية وكل دولة تخرج عن هذه المبادئ تصنف دولة مارقة.

يضيف كيسنجر في حديثه عن الطموحات الروسية للهيمنة على النظام العالمي: «ومن شأن موسكو ــ روما الثالثة ــ وريثة عباءة بيزنطة الساقطة أو وشاحها، بقيصرها الذي هو خليفة قياصرة روما الشرقية، خليفة منظمي الكنيسة ومجالسها التي رسخت العقيدة الحقيقية للدين المسيحي، أن تضطلع بالدور الحاسم في تدشين حقبة جديدة عامرة بالعدالة والأخوة العالميتين».

نستنتج من حديث كيسنجر وهو الخبير في العلاقات الدولية، أنه رغم الاتفاقيات والمعاهدات الساعية لتحقيق التوازن بين القوى الدولية، فإن وجود نزعة للهيمنة العالمية وفق نظام عالمي موحد، حاضرة على الدوام وليست وليدة خيال.