تتميز المملكة بمساحة جغرافية كبيرة تتعدى الـ 2 مليون كلم2 ممثلة النسبة الأكبر من مساحة شبه الجزيرة العربية، كما تتنوع فيها التضاريس الجغرافية، ويتباين سطحها ما بين السهول والجبال والصحاري والأودية المتناثرة ما بين أرجائها، علاوة على طول سواحلها البحرية على البحر الأحمر والخليج العربي.

ولهذا الامتداد الجغرافي البري والبحري دوره المتميز في إثراء ثقافات وتاريخ شبه الجزيرة العربية، بما تحتويه من سكان، وما تتضمنه من تراث تاريخي زاخر بثقافات محلية وثقافات أخرى لدول مجاورة هاجر سكانها إلى المنطقة منذ أجيال وقرون سابقة لأسباب مختلفة ضمن الهجرة الطبيعية للجنس البشري، بسبب عوامل مختلفة وظروف متباينة، أدت إلى ذلك الاختلاط والتزاوج ما بين البشر في مختلف بقاع الأرض. وكانت الأماكن المقدسة سببًا رئيسًا في تعدد أماكن الهجرة البشرية إليها من الدول القريبة والبعيدة عنها لأسباب دينية خالصة. وعليه فإن المناطق المقدسة والمناطق الساحلية والقريبة من الساحل هي الأكثر تأثرًا بالهجرة منذ قديم الزمن، بحكم الموقع الجغرافي والمكانة الدينية.

وتبعًا لذلك الواقع الجغرافي الفريد والتاريخ المتميز لشبه الجزيرة العربية بما شهدته من أحداث على مر التاريخ، فقد انعكس ذلك على التركيبة السكانية للمملكة، والذي أثرى بدوره ثقافتها المحلية وأسهم في تشكيل تراثها التاريخي وهويتها، بعد أن انصهرت فيها الحضارات بثقافاتها المتنوعة، لتشكل ذلك النموذج المختلف من الثقافة المحلية والتركيبة السكانية المتميزة والإرث الحضاري المتنوع والثري، والذي أفرز بدوره ذلك الزخم الفريد من التراث الحضاري نتيجة لتداخل الحضارات وتنوع مصادرها وبيئاتها ومواطنها، ما بين بادية وحاضرة.

كان توحيد المملكة العربية السعودية على يد ــ المغفور له ــ جلالة الملك عبدالعزيز، تتويجًا لتلك الحقب التاريخية ولذلك التباين والتنوع السكاني والحضاري، ليجمع تحت رايته جميع المناطق بأطرافها النائية، ويحتوي تلك التركيبة السكانية باختلافاتها ومناطقها الممتدة، والذي أضاف مزيدًا من الإثراء والقيمة لتراثنا الحضاري وإرثنا التاريخي، ومتانة داعمة لذلك النسيج الاجتماعي الذي يتكون منه سكان السعودية باختلافاته المناطقية وتمايزه التراثي، مما عزز قوة لحمته واندماجه وانتمائه في بوتقة وطنية موحدة، انصهرت فيها مكونات الشعب السعودي في إطار الدولة السعودية التي جمعت أطرافه ووحدت مجتمعه، لنحصد تلك اللوحة البشرية الثرية بمكوناتها ومفرداتها بما يعزز قوة البناء الوطني والتميز الشعبي.

بناء على ذلك التاريخ الثري والطبيعة الجغرافية للمملكة، فإننا نعتز ونفخر بأن تكاد تكون كل منطقة من مناطق المملكة الثلاثة عشرة متميزة بتراث فريد يظهر تاريخها ويسترجع ثقافتها وإرثها الحضاري ويخلده في ذاكرة الأجيال، بل ويفسر كثيرًا من التساؤلات التي يتعجب منها البعض من غير المطلعين على تاريخ المنطقة أو الغرباء عن منطقتنا بصفة عامة.

من الملاحظ أن ذلك الإرث التاريخي الثمين المتميز في جميع مناطق المملكة بجميع مضامينها المادية ومحتواها المتنوع الثري؛ ما زال موجودًا بفضل حرص واهتمام بعض من السكان وبجهود فردية، لرعايته والحفاظ عليه من الاندثار كجزء من ذاكرة الأمة وكتوثيق لتاريخ المنطقة، رغم كلفته وصعوبة تسويقه كمتاحف عامة، على الرغم من أهميته التاريخية وقيمته الحضارية للوطن، إلا أنه حتى الآن لم يحظ باهتمام وزارة الثقافة في مشروعات حضارية تُبرز قيمته التاريخية، وتحفظ حقوق أصحابها ومن يقتنيها، على اختلاف مستوياتهم وشرائحهم ومناطقهم.

لعله من حسن الحظ أن أتيحت لي زيارة عدد من المتاحف الخاصة التي يملكها أفراد وينفقون عليها، حفظًا للتاريخ وللتراث الحضاري، سواء في المدينة المنورة أو في منطقة عسير أو في المنطقة الشرقية، وجميعها رغم ضخامة مقتنياتها وتنوعها وقيمتها التاريخية، إلا أنها للأسف لا تحظى حتى الآن باهتمام مُؤسسي يحفظها كمتاحف عامة، أو حتى بدعم خاص للمهتمين بها، بحيث تقام لها منشآت مناسبة بما تستحق من المستوى المعماري والإدارة والصيانة، وتنظم لها الزيارات السياحية بالتنسيق مع وزارة السياحة، كجزء من مستهدفات رؤيتنا الطموحة وتطلعنا نحو إحياء التراث والحفاظ عليه وعلى هويتنا الحضارية، باعتباره توثيقا تاريخيا لحضارة المنطقة وعرض لواقع معاصر نعيش إفرازاته في كثير من ثقافتنا المحلية وهويتنا، علاوة على كونه مصدرًا مهمًا للسياحة يوفر مزيدًا من التنوع في القاعدة الاقتصادية التي تسهم في مدخلات إنتاجنا الوطني كأحد مستهدفاتنا الرئيسة في رؤية 2030.

من المؤسف أن تلك المقتنيات التراثية، تُباع الآن لأفراد مختلفين، بعضهم مواطنون وبعضهم غير ذلك، لأن تلك الموروثات تستهويهم ويعتزون بها، وقد يحتفلون بها في بلادهم ويستثمرون فيها، ولكن الجانب الأهم في القضية أن تناقل تلك المقتنيات بين الأفراد قد يعُرضها للاندثار والفقدان، لعدم القدرة على الاستمرار في إدارتها والمحافظة عليها عبر الأجيال، ولذلك آمل من وزارة الثقافة الالتفات للقضية والمسارعة بخطة عمل ومشروع لحفظ وتقديم ذلك التراث في متاحف عامة بكل منطقة في المملكة، فكل منطقة ثرية بتاريخها وتراثها المحلي المتميز الذي تعتز به، ويمثل جزءًا من تاريخ المملكة وحضارتها الفريدة التي احتوت تلك الثقافات، وجمعت ذلك التراث في نموذج وطني يستحق التقدير والفخر بكل مكوناته ومضامينه.