هناك ذاكرة عطرية لكل إنسان وترتبط الروائح من حولنا بالذكريات سواء كانت جيدة أم سيئة. هذه الذاكرة العطرية لا حماية قانونية لها، والاتجاهات العالمية الحالية في هذا المسار غير متوافقة والرؤية فيها غير واضحة.

كان تطور الملكية الفكرية وحقوق استغلالها بشكل عام احتفالا ببني البشر وإبداعاتهم، وساهمت هذه الحماية القانونية في تدفق الاستثمارات، ما عزز رفاه الإنسان ووطن الإبداعات وأعطى لها معنى إنسانيا آخرا مما هو في صيرورة الإنسان أصلا، وهو التعبير بأي شكل من الأشكال التي تبرر وجوده.

قد تعلم أن العلامة التجارية وشكل العبوة للعطر وغيرها من الصفات المرئية محمية قانونيا، ضمن مفاهيم قانونية مختلفة، إلا أن الرائحة بوصفها عنصرا غير مرئي لا حماية لها قانونيا!

كم شخصا حولك مدح عطرا ما وأثنى عليه، وكم شخصا آخر انتقد العطر ذاته؟ كيف يتفاعل العطر مع البشرة وإفرازاتها لينتج رائحة مختلفة؟

عدم انتظام وجهة النظر هذه قد تكون أحد أسباب عدم الحماية القانونية. الآن تخيل معي كيف يستطيع قاض متمرس أن يفرق بين عطرين أنتجا من المكونات نفسها؟ هل يحتاج انفا متخصصا كالذي يعمل في شركات العطور العالمية ليعرف مكونات العطر؟ وهل تعتبر شهادته، شهادة خبير معتمدة لها حجية قانونية؟

إذن وصف الرائحة العطرية بطريقة موضوعية، يبدو أمرا شبه مستحيل، كأن تقول إن أذواق الناس منضبطة، واحدة، وهي في الحقيقة غير ذلك وتخضع للعديد من العوامل الخارجية والداخلية للإنسان وتجاربه.

لجأت بعض شركات العطور في العقود الأخيرة إلى استخدام ما يدعى الأسلوب الدفاعي في تسجيل براءات الاختراع، وهو أسلوب الغاية منه ليست استغلال هذه الحقوق المسجلة، بل إيقاف الشركات الأخرى التي تطور في اتجاه يضر بالشركة المسجلة للبراءة، ويوقفها باسم القانون وذلك لحماية المكانة التنافسية.

وتلجأ شركات أخرى إلى الأسلوب المعتاد، وهو الأسرار التجارية، وتحمي التركيبات العطرية بوصفها سرا تجاريا، وتوقع عقودا صارمة في سرية المعلومات، وتتخذ أساليب لحماية تلك التركيبات العطرية التي تستخدم مكونات طبيعية وكيميائية، ونادرا ما تجد الشركات تفصح إفصاحا كاملا عن المكونات العطرية لمنتجاتها.

يمكن في بعض الدول تسجيل براءة اختراع لتركيبة عطرية على أن تكون العناصر لم تجرب قبلا، ولكن في ذلك كشفا عن التركيبة العطرية، وبالتالي سهولة إمكانية تسربها لمنافس آخر في المجال، يطورها أو تفقد مع الزمن حمايتها طبقا لما هو معروف في الملكية الفكرية وهي مدة 20 سنة.

هناك مبدأ قانوني عالمي هو أن أي فكرة لها وظيفة في المجتمع لا يمكن حمايتها، ولهذا نجد أي شركة تستطيع تصنيع نسخة بنطال الجينز الخاص بها.. إلخ.

تظهر أيضا مشكلة أخرى، وهي كيف نفرق بين نسخ التركيبة العطرية كاملة وبين الاقتباس؟ وما حدود كل منهما؟

إنها مشكلة (عويصة) بالفعل. ففي اللوحات الفنية المحمية لا يمكن نسخها كاملة، لكن يمكن النقل الجزئي عنها. كيف إذن يمكن أن نحمي الإبداع الصادق الإنساني في العطور؟

حتى في حال الكشف عن التركيبة العطرية ومحاولة تسجيلها لحماية الملكية الفكرية، فإن الحماية تكون للتركيبة العطرية ومكوناتها لا الرائحة ذاتها. استخدمت بعض شركات العطور العالمية عنصر تحسين الحالة المزاجية ليساهم في تسجيل التركيبة العطرية وحمايتها، ولكن تظل مشكلة حقوق الملكية الفكرية للعطور قائمة.

الاتجاهات القضائية العالمية غير موحدة بشأن حماية العطور، ففي هولندا قضت محكمة بوجوب حماية العطر في قضية Lancome ضد Kecofa الشهيرة بشأن إنتاج نسخة رخيصة من عطر Tresor لصالح عطر Tresor Lancome الأصلي في عام 2006. وفي فرنسا لا تعتبر المحاكم العطور منتجات تحتاج حماية قانونية، فهي ليست عملا فنيا إبداعيا، بل تعتمد على المعرفة والخبرة والدراية في المجال.

إذن ما هو مستقبل الملكية الفكرية للعطور؟

لا أعلم لكن أتنبأ بأنه قد تحدث سابقة قضائية عالمية تحض على اتجاه نحو إقرار واعتماد الحماية، تخيل معي شخصا قد يمرض فيموت، ولديه في بيته مجموعة من العطور تسبب حساسية معينة، قد تفضي لموت، كيف نحدد إذن مسؤولية الشركة، أو الشركة المسؤولة؟

لعل جوابا يظهر في المستقبل القريب، يقول نعم لحماية قانونية عطرية أفضل.