أجل، لقد أحسست بفشلي وزهدت في جميع التعاليم التي أوحى بها إلينا الحاج محمد علي زينل، وقررت السفر إلى أي بلد كان طلبا للعيش ولكن صاحبي وقف في طريق حريتي فتركت المعهد العلمي السعودي وذهبت إلى الطائف دون استئذان لعل في هذا التصرف الشاذ ما يؤدي إلى عقوبتي بالرفت من الوظيفة، ولكنه لاحقني بتعييني مديرًا لمدرسة الطائف، وحين أصررت على الرفض تدخل ذلك الشخص الكريم الذي أمر بتعييني أستاذًا لقسم التخصص في القضاء الشرعي ونصحني بقبول الوظيفة ولو إلى حين، وقد انصعت لرأيه بل وسررت بالنتيجة لأنني وجدت في طلبة هذه المدرسة حقلا صالحا لبذر البذور الطيبة ورعايتها وتنميتها، فمعظمهم عرب من أهل البلد الذين يزرعون الأرض ويحصدون خيراتها ويدرس أبناؤهم في المدارس بنفس الروح التي يعمل بها آباؤهم في الحقول يتعلمون العلم ليجنوا ثماره وليخدموا بلدهم وأنفسهم بروح واعية مدركة، وقد انسجمت في عملی انسجاما كاملا وتجاوبت مع الجو المحيط بي ومرت فترة رضيت فيها عن الحياة وفي هذه الفترة بنيت عشي الذي كنت أطمح إليه واخترت شريكة حياتي.
ولم تكن هذه الفترة كلها راضية مطمئنة بل لقد كان الصراع الخفي بيني وبين صاحبي مستمرًا في الخفاء تارة وتارة علانية، ولم أكن أضعف في يوم من الأيام عن وضع المرآة التي تكشف له حقيقته بين عينيه ليرى فيها نفسه على الوضع الذي يخفيه عن الناس ويكتمه عنهم كلما جدت الحاجة لذلك أو دعت مناسبة إليه.
ولقد كان من حظ مستقبل العلم والتعليم في هـذا البلد أن أقيل من عمله.
1961*
* أديب ووزير سعودي سابق «1910-2012»