إذا كانت الحضارة الإسلامية اتسعت لمذاهب في علم الكلام، والفلسفة فلا يجوز اقتحام النوايا في التعبيرات الأدبية الرمزية واتخاذ التكفير وسيلة لقمع الفكر.

من يتحدى الحكام المطبقين للحدود بأن يكونوا أول الخاضعين لأحكام الشريعة وفي مقدمتها الحدود، وأنه ليس من العدل أن تطبق الحدود على المحكومين وأن يهرب منها الذين يجمعون السلطة بين أيديهم. وهؤلاء المعارضون ينادون بأن أحكام الشريعة كل متماسك ولا يقبل التجزئة، وأن تطبيق الحدود مرهون بأن تطبق أحكام الشريعة في جميع المجالات وليس في مجال التأديب أو العقاب وحده الذي سيصيب المجردين من السلطة دون غيرهم وثمة أراء أخرى تشير إلى صعوبة تطبيق الحدود في الوقت الحاضر، خاصة أن بعض الاتفاقيات الدولية، ولا سيما تلك التي وقعتها مصر بإلغاء الامتيازات، والمعروفة باتفاقيات مونتون تفرض بعض القيود في هذا الشأن... وهناك من الآراء ما يذهب إلى أن القيود الشرعية نفسها مجمل تطبيق الحدود أمرًا نادرًا ويشار في هذا الشأن إلى أن الخليفة العادل عمر بن الخطاب قد عطل حد السرقة في عام الرمادة، وهو ما يدفع البعض إلى القول إنه يمكن القياس أو التعويل.

على هذا النحو السابقة... إلخ) تتعدد الآراء المتفاوتة بالنسبة لمشكلة تطبيق الحدود، وهو أمر يستحيل أن يكون مثارًا في قصة نشرتها صحيفة... وحتى إذا جاز التشدد في شأن المعالجة القصصية لمسألة دينية، كالحدود فإنني أتصور أن التعبير عن مشاعر الألم بسبب العلانية في تنفيذ الحدود، يستحيل أن يعتبر تحريضًا على تعطيل الحدود أو تنديدا بها، ذلك أن طريقة التنفيذ أمر تحدده ظروف العصر... وهى متفاوتة حتمًا...


وإذا كانت الحضارة الإسلامية قد اتسعت لمذاهب كثيرة في علم الكلام، ومدارس متضاربة في الفلسفة في شأن الأمور العقائدية المتعلقة بالألوهية والخلق والوجود، فإنه لا يجوز اقتحام النوايا في التعبيرات الأدبية الرمزية عن هذه المشكلات واتخاذ سلاح التكفير وسيلة لقمع الفكر أو وأد الإبداع الفنى. وأن السير في هذا الطريق سوف يؤدى إلى إقامة سلطة رقابة كهنوتية كتلك التي فرضتها وتفرضها بعض الأديان والمذاهب وهو أمر يتناقض تناقضًا صارخا مع أصول الإسلام التي تعارض إقامة مؤسسة أو سلطة دينية تتحكم في الأرواح، وتتغلغل داخل النوايا والأفكار!

هناك ملاحظة أراها تستحق التأمل، وتتصل بالموضوع، وهي تتعلق بدعاة تنفيذ الحدود علانية، وادعاء أن هذا تطبيق الصحيح الدين من ناحية، وأنه يحقق الردع من ناحية أخرى. مسألة العلانية في العقوبات الإسلامية، فالثابت أنه لم يرد بشأنها أي نص في القرآن، عدا نص وحيد يخص العلانية في الجلد وليس في الرجم، الذي لم يرد في القرآن أيضًا في عقوبة الزنا. والنص يقول «وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين». والطائفة لغويًا اثنان فأكثر. وفي بعض المراجع واحد فأكثر.

وعقوبة الإعدام في قوانيننا يشهدها بحكم القانون ما يزيد عن 13 فردًا، أي أن العلانية متوافرة وفقًا للنص الشرعي.

هذه مقدمة ضرورية قبل أن تنتقل إلى لب الموضوع، وهو دور رجال الدين في الحكم على الأعمال الأدبية والفنية. وأنا هنا صاحب موقف معروف، فأنا لا أعترف أصلًا بأن هناك رجال دين، فالإسلام لا يعرف ذلك.

والرواد الأوائل للفقة الإسلامي مثل أبي حنيفة وغيره كانوا يتفقهون في الدين ويكسبون من عرق أيديهم. ومعنى هذا أن حكم رجال الدين مقصود به حكم بعض المواطنين المتفقهين في الدين بطبيعة دراستهم، وهو حكم لا يختلف في وزنه عن حكم أي مواطن مثقف إلا يقدر استيعاب صاحبه لأصول النقد الفنى ولجوهر العمل الإبداعي ولأدوات التحليل النقدية.

فإذا امتلك هذا فأهلا بها ونعمت وإذا لم يمتلكها أصبح شأنه شأن العامة الذين يفتون فيما لا يعلمون.

1991*

* كاتب وباحث مصري «1945- 1992».