أزمة الجيل العربي الطالع في أبسط مقوماتها قد تعرف بـ»الصراع القائم بين الفعالية كقاعدة للعمل والعقلانية كقاعدة للأخذ بأسباب الشرعية». في ضوء هذا التعريف، ثمة صلة واهنة بما يتأصل ويبقى، ليست الانتصارات العابرة، والشعارات التي تنادي بها الغوغاء، والخطب التي تلقى من على الشرفات وأجنحة الأثير، بل الأفكار الهادئة الواردة في القوانين والمؤسسات، والفضائل التي يتخلق بها المرء فكراً وعملاً، ومواقف الروح وقد سجلت انتصارات خالدة لمجتمع واع يوجه نفسه بنفسه.
لدراسة هذه الأزمة، يقتضي النظر إليها انطلاقاً من المفكر العربي المعاصر، ثم تحليلها بصيغة التحدي الذي يجابه به الجيل العربي الطالع بأسره. أو بتعبير مباشر: الأزمة الفكرية التي يعانيها الجيل العربي الطالع قد تلخص بمظاهر رئيسة ثلاثة: الاقتلاع البسيكولوجي، وفقدان الإيمان الأخلاقي والديني، والذهاب في تقدير القيم كل مذهب.
ولأبدأ بالقول إنني لا أقصد بـ (الاقتلاع) إلى نموذج العربي الليفانتيني الذي نجده في المدن الكبرى جميعاً، من بيروت إلى طنجة، والذي يعتبر (الاقتلاع) الثقافي والبسيكولوجي له، حالة وجود عادية، بل أقصد به إلى مجمل الجيل العربي المتعلم الذي بلغ أشده في منتصف القرن العشرين ليجد نفسه صفر اليدين في عالم خالٍ من قيم ومعتقدات ليست إلا نسبية أو عابرة. فالدين، وهو القوة الدافعة الوحيدة التي وفرت لأسلافنا، على الأقل، الضمان الضروري لجعل هذا العالم مكاناً أليفاً صالحاً للعيش - إن لم يكن قد وفر لهم الإلهام والقدرة على بناء مجتمع جديد بدا وكأنه لم يعد ينطوي لنا على أي معنى حقيقي. وإذا كان الدين، كنظرة ميتافيزيقية، لم يعد يحسن القبض على أذهان شباب هذا الجيل، فهو لأولئك ينطوي على معنى أوفر كجزء من التراث القومي.
على أنقاض هذا العالم المتداعي، لا يزال المفكر العربي الطالع يرفض مواجهة الضرورات التي تنطوي عليها إعادة البناء. فالمهمة الحيوية التي من شأنها تحديد معضلات وضعه الأساسية وتبيانها والتي هو وحده جدير بإتمامها، قد تركها لتلقى، إلى حد بعيد، على عاتق الباحثين الأوروبيين الذين تعتبر آثارهم مصدراً يكاد يكون وحيداً، لمعرفة العربي لنفسه، ولحاضره، ولماضيه. على أن معرفة النفس من خلال أنظار الآخرين، تظل، مهما حسنت، خارجية، محدودة، ناقصة.
فليس بعجيب، إذن، أن يكمن تحت ظاهر ما يبديه المفكر العربي من ثقة جريئة بالنفس، فراغ وضياع ينتظران العلاج الذي لا يهيئه إلا التفات العقل إلى نفسه.
لكن من هو المفكر العربي؟ إنه الأديب، والصحافي، والمعلم، والمحامي، والطالب، والموظف الحكومي، والضابط المثقف. إنه إنسان على حدة، ذلك أن للجماعة التي ينتمي إليها على الصعيد الفكري وضعاً خاصاً على الصعيد الاجتماعي. فإذا ما أخذناه هكذا، وجدناه، على وجه العموم، رزيناً، جادا، تعوزه روح المرح والدعابة - وإن لم تعوزه، في الغالب، سرعة الخاطر. وهو قادر على ارتكاب الحماقات، لا لعدم أمانته الفكرية، بل لحاجته إلى تبرير مكانته كإنسان مستقل الرأي. وهو، في الأكثر، يتحلى برهافة الحسن وحلاوة الحديث. ولكم يأنف من الدقة والإيجاز ويميل، حين يكتب أو يخطب في الناس إلى الإسهاب والإطناب. أما بين الخاصة، فتراه متحمساً، يذوب عاطفة وإخلاصاً. وإذ كان عقله مشبعاً بالألوان والضوضاء، صعبت إثارته إلا بتباين الأضداد الشديد، ومثالنا الواضح على ذلك ما يعانيه الأدب: فباستثناء بعض الأدباء المصريين الشباب في الثلاثينيات، وبعض العراقيين في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ونفر من اللبنانيين والتونسيين اليوم ليس للأدب العربي ما يقدمه إلى العالم. ذلك أنه فصيح، مبتذل، واضح إلى أبعد الحدود، لا أثر فيه لـ»التضمين» أو «الالتفات»، أو « الصمت»، فالكاتب لا يترك لقارئه مجال التمتع بالإيماءات أو بظلال المعاني، وتحصيل القصد من الكلام، وتفسير المغمض والمخباً، ومهما يكن من أمر المحتوى، فالصورة دائماً رافائيلية الحجم، بالغة الإطناب، ثقيلة الوطأة. ما يلقى وما يتلقى مصحوبان دائماً بإيقاع صارخ. فقد تطرب الأذن، أما الذهن فيقهر.
1962*
* كاتب وباحث فلسطيني «1927 - 2005».