والعائلة الواحدة قد يبغي بعضها على بعض، وهذا ما يحدث في الملاحم، ولكن الصراع الملحمي في «المجوس»، هو أساسًا صراع بين الغائب والظاهر، يمكننا أن نقول بين الروح والمادة، فالطريقة الوحيدة للتعامل مع عالم الغائب هي أن نقيم بيننا وبينه رابطة ما، أن نحاول التفاهم معه بلغته الغيبية أحيانًا بلغة السحر، وأحيانًا بلغة الدين، وأحيانًا بلغة الفن، على أن ثمة لغة مشتركة، الذهب أي سحر في بريق هذا المعدن الذي لا ينطفئ أبدًا، سحر يفتن حتى الجن.
أما تجار الإنس فيمكنهم أن يرتكبوا كل إثم من غش وسرقة وقتل ليحصلوا على أكبر نصيب من هذا المعدن النفيس، الذين تخلوا عن الذهب طواعية واختيارًا، هم فقط أولئك الصحراويون الرعاة المهاجرون أبدًا، الذين يعرفون أن قطرة ماء قد تساوي كل كنوز الأرض، الذين يجمعون الذهب هم التجار، والذين يبحثون عنه في الجبال والأدغال هم السحرة والعرافون، ولكن القوة التي يحسب لها الجميع ألف حساب هي الرياح الجنوبية «القبلي»، التي يمكنها أن تظهر الآبار وتغير معالم الصحراء.
ويزعم العرافون أن القبلي غضب على أهل الصحراء قبل آلاف السنين فجفف أنهارها وملأها بالرمال، وقد نحت القبلي تمثالا في فج بين أعلى جبلين شمال تينبكتو عاصمة الصحراء الكبرى، رأسه معمم بقناع حجري موشى بطبقة من الحصى يغطي العينين وينسدل الأنف المكابر، يتربع على قاعدة سخرية متحركة، مما يجعل القبلي يولي التمثال وجهة المدينة، فإذا ثار استدار نحو الشمال، حيث ينفتح الفجر عن هاوية ليس لها قرار، سماه العرافون أمناي، وعرفوه الناس بأنه إله القبلي، وأنه إذا جاع وأراد القرابين لم يهدأ حتى يلقوا أمامه في الهاوية.
كان هذا شأن سكان الأدغال وأهل الصحراء الكبرى منذ أمد غير معلوم، حتى غزا المرابطون الصحراء وطهروا العاصمة تينبكتو من عبادة الأصنام، وبنوا حول التمثال الرهيب سورًا حجريًا حتى ينساه الناس، ولكن العرافين الذين بارت تجارتهم ظلوا يذكرون الناس به كلما ثار القبلي، ويمارسون سحرهم في الخفاء إلى أن ضعفت شوكة المرابطين، وطمعت فيهم قبائل الزنوج، فتعاظم نفوذهم لدى السلطان، وأصبح المكتوم من أمر الكفار «المجوس» معلومًا، وتوارى الأتقياء والصلحاء، واشتهر أهل تينبكتو كلها بأنهم يتعاطون السحر.
أما وادي أزجره، حيث تدور معظم أحداث الملحمة، فقد استوطنته القبائل من الرعاة، وربما اضطرهم الجفاف الطويل إلى الهجرة، فيرحلون إلى الحمادة في الشمال، ولكنهم غالبًا قائمون بواديهم، حيث يقيمون في حمى جبل إيدينان الذي يقيهم -بعض الشيء- من شراسة القبلي، ويتعايشون في تفاهم وتراض مع سكانه من الجن.
تروي ملحمة المجوس أسطورة لأهل انجر عن إيدينان وقرينه الجنوبي الذي تخلف عنه وبقى يقاوم القبلي وحيدًا، تقول الأسطورة إن القرينين انفصلا عن السلسلة الأم هربًا من الريح، واتفقا أن يتولى إيدينان استطلاع الصحراء توجه شمالاً متوجًا بأعظم صرح شهدته الصحراء على رأس جبل مولم يكد يقطع السهل حتى اعترضه ملك الجن، وقال له: نحن أيضا قررنا أن نستقر في أرض ونبني لشتاتنا وطنًا، أنهكنا التسكع في الفلوات وعانينا من اضطهاد الإنس الرجيم، جاء إلى الصحراء البكر الأعراب والمغامرون واللصوص، انتهكوها ونهبوا كنوزنا، وقرروا أن يتبعوا سبيل رجال الدين المزيفين الذين يبتزون أموال البسطاء بدعوى تعليمهم أصول الدين وإعادتهم إلى الصراط المستقيم، فبعثوا واحدًا منهم ادعى أنه من أتباع الطريقة التيجانية وراح يعظ أهل السهل قائلا إن الذهب والله لا يجتمعان في قلب العبد، فردد أهل السهل هذه الحكمة، ثم شاعت في الصحراء، حتى إن النسوة أخذن يتخلصن من حليهن الذهبية بدفنها في الرمل.
هكذا ظل الأمن مستتبًا بين سكان السهل وأهل الخفاء، إلا من حوادث فردية طفيفة تشيع في جوانب الرواية رغم إطارها الملحمي -نفحة صوفية، ويأتي سقوط النجع والمدينة معًا أمام الجيش المثلث من الهمج والوحش والجن، أشبه بإشارة أو نبوءة، مثل الإشارات الكثيرة المنبثة في هذه الرواية -الملحمة- الأمثولة.
1996*
* ناقد وأكاديمي مصري «1921 - 1999»