شهد العالم العربي أخّيراً اندفاعاً واسعاً نحو تبنّي تقنيّات الذكاء الاصطناعيّ، مدفوعاً بطموحات التحوُّل الرقميّ، وتعزيز تنافسيّة الاقتصادات الوطنيّة. هذا التوجُّه يأتي في لحظةٍ تاريخيّة تتسارع فيها وتيرة التطوُّر التكنولوجيّ عالَميّاً، وتتزايد فيها الوعود بقدرة الذكاء الاصطناعيّ على إعادة تشكيل القطاعات الإنتاجيّة والخَدميّة. وقراءة هذا الاندفاع لا تَكتمل بمعزل عن أُطُرٍ نظريّة تَستوعب ديناميّات المنظومة العالميّة.

بحسب أنموذج المركز - الأطراف (Core-Periphery Model)، تُعَدّ الدول المتقدّمة هي «المركز» المتحكّم في أدوات الإنتاج والمعرفة (مثل الذكاء الاصطناعي ومنصّاته)، بينما تُشكِّل الدول النامية والخليجيّة تحديداً «الأطراف» التي تُقدِّم رؤوسَ الأموال كوقودٍ للابتكار في المركز. هذا الواقع يُرسِخّ التبعيّة المَعرفيّة، ويزيد من تعرُّض الأطراف للمخاطر التي تَنبع من قلب المركز المالي نفسه.

إلّا أنّ هذه الحماسة المتنامية تَستدعي مراجعةً نقديّة لأُسسها، حيث تُشير الأدلّة إلى أنّ الارتفاع القياسي لسوق الأسهم العالَمية يرتكز على فقّاعة ماليّة ضخمة؛ وهي حالة تضخُّم مفرط ومُضارِب في أسعار الأصول يتجاوز قيمتها الجوهريّة بكثير، مدفوعاً بالتوقّعات لا بالأُسس الاقتصاديّة، وتقودها الاستثمارات المفرطة في هذا القطاع، ما يولِّد انفصالاً جوهريّاً بين تقييمات الشركات والحقائق الاقتصاديّة.


وما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» يؤكِّد هذه الظاهرة، حيث أشارت إلى أنّ 80 % من مكاسب الأسهم الأمريكيّة في سنة 2025 جاءت من شركات الذكاء الاصطناعي وحدها. وتَبرز الهشاشة من احتمال تكوُّن «فقّاعة ذكاء اصطناعي» مُماثِلة لفقّاعة dot-com، حيث لم تُحقِّق الأغلبيّة العظمى من حالات تبنّي النماذج التوليديّة (نحو 95 %) عائداً إيجابيّاً على أرباح الشركات، ما يُسائل فرضيّة الثورة الإنتاجيّة التي تُبنى عليها السوق.

وفي هذا السياق، يُعَدّ الأنموذج الاقتصادي للشركات الرائدة غَير مُستدام في ظلّ الخسائر التشغيليّة. كما أنّ الأدلّة تشير إلى أنّ الانفجار الحتمي لهذه الفقّاعة سيؤدّي إلى أزمةٍ ماليّة عالميّة أشدّ وطأة، ولا سيّما أنّ الاقتصاد العالَمي يُعاني بالفعل تقلّباتٍ عالية وحادّة في العام 2025 بعد عودة الرئيس دونالد ترامب، وتطبيقه رسوما جمركيّة واسعة في ما سمّاه «يوم التحرير»، وهو الأمر الذي يُفاقِم من ضعف التجارة العالميّة ويزيد من مخاطر التصحيح المالي؛ حيث تمتدّ تداعيات هذه الأزمة بشكلٍ مباشر إلى بلداننا العربيّة عَبْرَ خسائر متوقَّعة في صناديق الثروة السياديّة، وتراجُعٍ حادّ في شأن الطلب العالمي على الطّاقة والسلع نتيجة الركود المُرتَقب.

وعلى الرّغم من أنّ الفقّاعات الماليّة يصعب التنبّؤ بلحظة انفجارها، فإنّ ضرورة إرساء منهجيّة لليقظة الإستراتيجيّة تَفرض نفسها بقوّة على القرار الاقتصادي العربي. وفي هذا السياق، يُشير الخبير داريل ويست إلى مؤشّرات هيكليّة عدّة يُمكن مراقبتها لتقييم مخاطر فقّاعة الذكاء الاصطناعي، وتشمل: مستويات الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ووتيرة بناء مراكز البيانات، وتبنّي التكنولوجيا، وأسعار مُنتجات الذكاء الاصطناعي، والمُنافسة بين الشركات، وثقة الجمهور. ويؤكّد داريل ويست أنّه إذا لم يتحقَّق التبنّي الحقيقي أو إذا تأخّرت البنية التحتيّة اللّازمة، فقد يُثبت ذلك أنّ التوقّعات الحاليّة مُبالَغٌ فيها بشكلٍ جذريّ. ويتجلّى حَجْم المُراهَنة المُبالَغ فيها في الأرقام؛ إذ تُشير البيانات إلى أنّ إنفاق شركات التكنولوجيا الكبرى على الذكاء الاصطناعي بَلَغَ نحو 78 مليار دولار في الرّبع الثالث من العام 2025، بارتفاعٍ قدره 89 % على العام السابق، ما دَفَعَ المؤشّرات إلى التراجع الجماعي خشية أن تكون هذه الأموال بلا عائدٍ حقيقي مُكافئ.

وتُبرِز البيانات وجود «فجوة ضخمة»، إذ يُشير تقرير شركة «باين آند كو» (Bain & Co)، الصادر في سبتمبر الماضي، إلى أنّه بحلول العام 2030 ستَحتاج شركاتُ الذكاء الاصطناعي إلى تريليوني دولار من الإيرادات السنويّة لتمويل قوّة الحوْسَبة اللّازمة لتلبية الطلب المتوقَّع، بينما تقل الإيرادات المتوقَّعة لتلك الشركات بمقدار 800 مليار دولار عن هذا الرقم. وممّا «يُعمِّق الأزمة» تفاقُم المخاوف بسبب المنافسة المتزايدة من الصين، حيث تَغمرُ شركاتُها السوقَ بنماذج ذكاء اصطناعي تنافسيّة ومُنخفضة التكلفة، وهو ما يَجعل استرداد الاستثمار الكبير في البنية التحتيّة للذكاء الاصطناعي الأمريكي أمراً صعباً. ويُحذِّر بريت تايلور، رئيس مجلس إدارة شركة «أوبن أيه آي»: «صحيح أنّ الذكاء الاصطناعي سيُغيّر الاقتصاد، ولكنّني أعتقد أيضاً أنّنا في فقّاعة، وسيَخسر كثير الناس كثيراً من المال».

الاستعمار الخوارزميّ

في ظلّ هذه الأرقام العالميّة، يتجلّى حَجْم الالتزام المالي العربي؛ إذ تَظهر الدولُ الخليجيّة في طليعة المُستثمِرين العالميّين في الذكاء الاصطناعي، حيث من المتوقَّع أن يصلَ الإنفاقُ على التكنولوجيا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى 169 مليار دولار بحلول العام 2026، وفقاً لتوقّعات شركة غارتنر Gartner. فبعد زيارة الرئيس الأمريكي في مايو 2025، تعهّدت الإمارات بضخّ 1.4 تريليون دولار كإطار استثماري في التكنولوجيا وأشباه الموصلات في الولايات المتّحدة، بينما التزمت المَملكة العربيّة السعوديّة باستثماراتٍ إجماليّة بلغت 600 مليار دولار خلال أربع سنوات، مع إمكان رفع القيمة إلى تريليون دولار.

وفي قلب هذا الاندفاع، أَعلنت شركاتٌ سعوديّة التزامها باستثمار 20 مليار دولار في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الأمريكيّة (عَبْرَ شركة داتا فولت DataVolt)، إضافةً إلى خطط نشْر قدرات حوْسَبة بنحو 10 مليارات دولار بالتعاون مع شركات أمريكيّة (مثل شركة أيه إم دي AMD)، وتزامُن ذلك مع صفقات شراء ضخمة لشرائح الذكاء الاصطناعي من شركة إنفيديا NVIDIA. هذا الالتزام المالي الهائل يحوِّل الاستثمار من مجرّد تبادلٍ سلعيّ إلى تبادُلٍ مَعرفيّ تقني يحمل مخاطر مضاعفة، ولا سيّما في ضوء التقييمات المبالغ فيها، وتركيز الاستثمار في نقطةٍ واحدة.

هذا المشهد المعقّد يَفرض على دولنا العربيّة مُراجعة إستراتيجيّة عاجلة لمسارات الاندفاع التقني، في إطار حماية مصالحها من التبعيّة لأنموذج استثمار أحاديّ المركز. فمِن غير المقبول حضاريّاً أن تبقى غالبيّة دول المنطقة مُتلقّياً سلبيّاً للتكنولوجيا، وأن يَقتصر انخراطُ البعض الآخر على المُراهنة الماليّة على شركات قد تكون في قلب انهيار وشيك، ما يُهدِّد الاستقرارَ الاقتصادي، ويُعمِّق الفجوات الاجتماعيّة. التحدّي الحقيقي يكمن في إرساء حوْكمة رشيدة، وضوابط أخلاقيّة تُنظِّم الاستثمار، وتَضمن بقاء الكرامة الإنسانيّة والمصالح الوطنيّة في قلب المعادلة.

في ظلّ هذه التداعيات، يُطرح التساؤل بإلحاح: هل يُمكن للقرار الاقتصادي العربي أن يتّجه نحو تنويع الاستثمار في بيئات تكنولوجيّة بديلة أكثر استدامة، والاستفادة من البنية التحتيّة للذكاء الاصطناعي الصيني كجسرٍ لتقليل الاعتماد المُفرط على الغرب؟ والأهمّ من ذلك، هل تتوافر الإرادة السياسيّة اللّازمة لتفعيل التعاون العربي - العربي في مجال التكنولوجيا، ودمْج الجهود الاستثماريّة والبشريّة، لبلْورة كتلة قادرة على مُواجَهة «الاستعمار الخوارزمي»، وتجاوُز التأخُّر البنيوي الذي يُهدِّد مستقبلنا في ضوء هذه الفقّاعة؟

إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة لم تَعُد رفاهيّة فكريّة، بل هي شرط لبقاء الذّات العربيّة الفاعلة في عالَمٍ تُعيد فيه الخوارزميّات رسْمَ خرائط القوّة والثروة فيه.

منطق رأس المال الخوارزمي الذي يَسعى إلى الأرباح السريعة واللّامحدودة من خلال المُراهَنة والمُضارَبة، ومنطق الدولة والمجتمع الذي يتطلَّب الاستدامة والتوزيع العادل للثروة والتحكُّم السيادي في مَسار التنمية.

لقد كشفَ تركيزُ الاستثمار في الرّهانات التكنولوجيّة الأجنبيّة نقصا هيكليا في الرؤية الإستراتيجيّة القادرة على تنويع المخاطر وتوطين المعرفة. وعليه، لا يكمن تجنُّب التداعيات المدمّرة لانهيار الفقّاعة في سحْب الاستثمارات فحسب، بل في إرساء أُطُرِ حَوْكَمة تَضمن أنّ كلّ دولار وكلّ خوارزميّة يتمّ استخدامها تَخدم هدفَ تعزيز السيادة المعرفيّة والعدالة الداخليّة. فإذا لم نتحكَّم بمَسار هذا الاندفاع عَبْرَ المُساءلة المؤسّسيّة، فستُعيد الخوارزميّات كتابةَ علاقات التبعيّة القديمة في ثوبٍ رقميّ جديد؛ بحيث يَجِد العالمُ العربيّ نفسَه محمّلاً بعبء الأصول المُتقادِمة والتهميش المالي الذي يُكرِّس بقاءه خارج حدود القوّة العالميّة.

* باحثة في العلوم السياسية من مصر

* ينشر بالتزامن مع دورية «أفق» الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي