عمدت الصحافة الثقافية في السبعينيات والثمانينيات إلى قطع الطريق على المغامرة الفنية، وتعزيز الاتجاهات السلفية التي أقصتها موجة الخمسينيات والستينيات .

جرياً على أرض « الأزمات» العربية الأخرى، افترض في مستهل هذه السطور وجود أزمة في الصفحات الثقافية في الصحف والمجلات العربية مقيمة ومهاجرة على السواء. وافترض أسباباً ثقافية وغير ثقافية [اجتماعية، اقتصادية، سياسية، شخصية إلخ] لهذه الأزمة. وتتجلى أزمة الصفحات الثقافية في مظاهر مختلفة أبرزها: هذا التشابه المريب في المادة «الثقافية»، وفي صنع نجوم نافسوا الممثلين والمطربين على

العناوين والصور والأخبار، وفي خلط الحابل بالنابل والغث بالثمين، حيث يصعب الفرز وتنعدم معايير أهمية النص ومبدعه في التسلية والمجالات التي تلعب دوراً بارزاً في تلميع هذا الكاتب وفي التعتيم على ذلك. ولا يمكن بطبيعة الحال أن نفصل بين الصفحات الثقافية والصحيفة أو المجلة ذاتها، فهذه الصفحات جزء لا يتجزأ من السياق السياسي للعمل الصحفي، لها ما له من وظائف ومهمات، وعليها ما عليه من ضغوط وشروط.


ويمكن اعتبار ما سلف ذكره بمثابة عناوين عامة لوضع الصفحات الثقافية التي تقدم صورة مزيفة للثقافة العربية هي صورة ثقافة الهيمنة، بينما يطرد صانعو الثقافة الجذرية إلى الهامش، ولكن هل كانت صورة الصحافة الثقافية بين الأمس واليوم، دائماً، على ما هي عليه الآن؟

من الواضح أن فرقاً شاسعاً بين الصحافة الثقافية التي عرفها الوطن العربي في الخمسينيات والستينيات وبين مثيلتها في السبعينيات والثمانينيات. ففي الأولى كان المجال لا يزال فسيحاً أمام الصحافة الأهلية التي كانت مأخوذة بمفاهيم الحرية والاستقلال المهني خرافة السلطة الرابعة والنظرة القومية للثقافة، بينما خضعت الثانية مباشرة لـ[ التأميم] وبطريقة غير مباشرة [التمويل] وتقلص الجانب القومي لهذه الصحافة رغم الشعارات القومجية الفضفاضة وانتهت بوقاً ينفخ فيه مشعوذون ودعاة الخصوصيات القطرية.

وبينما قدمت الصحافة الثقافية في الخمسينيات والستينيات أبرز الأسماء والظواهر في الثقافة العربية : قصيدة التفعيلة [السياب، الملائكة، أدونيس] قصيدة النثر توفيق الصايغ، أنسي الحاج محمد الماغوط القصة القصيرة بانعطافتها الجديدة يوسف إدريس زكريا تامر والرواية الجديدة [كنفاني، صنع الله ابراهيم، إدوار الخراط إلخ مقابل ذلك عمدت الصحافة الثقافية في السبعينيات والثمانينيات إلى قطع الطريق على المغامرة الفنية، وتعزيز الاتجاهات السلفية التي أقصتها موجة الخمسينيات والستينيات عن المسرح الثقافي، وتزيين طريق الردة لأولئك الذين أصابهم مس من جنون الحداثة، فعادت المعلقات والمطولات العمودية تأخذ طريقها إلى صدر هذه الصفحات. وإذا اقتربنا من مشهد الصحافة الثقافية أكثر فسنجد ما هو أشد مرارة : سنرى صورة «لشلل أدبية» يجمعها تبادل المنافع وتدبيج المدائح لكتابات بعضهم البعض وفتح النار على الآخرين، واستعداء السلطات على الكتاب المختلفين! وينبغي التنويه بأن الصحافة الثقافية التي نقصدها بالحديث تقتصر على تلك الصادرة في المشرق العربي أو التي يصدرها المشرقيون في الخارج، إذ إن الصحافة الثقافية المصرية على سبيل المثال مغلقة على ذاتها ومكتفية بها. ونادراً ما تجد فيها متابعة لشأن ثقافي غير مصري وهي في كل حال مصابة بمرض شقيقتها المشرقية لجهة تكريس الأسماء الرائجة وطرد الجيل الجديد إلى ما يعرف في مصر باسم مجلات الماستر المطبوعة على الآلة الكاتبة والمتداولة بين نفر محدود من المعنيين.

ومن المؤسف أيضاً أننا لا نعرف الكثير عما يحدث في أقطار المغرب العربي على هذا الصعيد وإن كنا لا نتوقع الاستثناء، فهذا المرض هو سمة عربية بامتياز.

1988*

*شاعر وصحفي أردني « 1955 - 2019».