المبالغة لا تكون في الكلام فقط، بل في النظرة من الأساس.
في مدحٍ يتجاوز الواقع، في عتابٍ يثقل العلاقة، في غضبٍ يتمدّد، في حزنٍ يؤذي النفس، وفي فرحٍ يتسع فوق ما يحتمله الحدث، وفي لحظتها، لا تبدو المبالغة خطأ.
قد تُفهم على أنها حماس أو طيبة أو حرص لكن أثرها يظهر لاحقًا، حين تهدأ الأمور وتعود إلى حجمها الطبيعي.
عندها ندرك أن المشكلة لم تكن في الواقع، بل في الصورة التي رسمناها له.
كلما زاد التقدير عن حدّه اتسعت الفجوة بين ما توقعناه وما حدث، وبدأ الإحساس بالخذلان، لا لأن الواقع قاسٍ بل لأننا رفعنا السقف أكثر مما ينبغي.
المبالغة لا تغيّر الحقيقة، لكنها تغيّر طريقة توقّعنا لها. تجعل الأمر أكبر في أعيننا ثم تعيده الحياة إلى حجمه الحقيقي فنشعر أن شيئًا قد نقص، مع أنه لم يكن في الأصل موجودًا. ولهذا، لا تكون المبالغة في الغالب إضافة، بل عبئًا خفيًا يثقل المشاعر ويُربك التقدير ويأخذ من الوقت أكثر مما يستحق.
وقد تكون سارقًا هادئًا للعمر حين نعيش على توقعات مرتفعة لا تقوم على أساس. ولهذا جاء التأكيد على الاعتدال؛ لأنه أصلٌ في الشريعة، وميزانٌ تُضبط به الحياة.
قال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ وقال النبي ﷺ: «هلك المتنطعون». وغالب ما جاوز حدَّه تغيّر أثره ولو كان في أصله حسنًا.
الاعتدال لا يعني التقليل، بل أن نرى الشيء كما هو لا أكثر ولا أقل.
أن نعطي كل موقف قدره، وكل شعور حجمه، وكل توقع حدّه. وحين يستقيم التقدير تصبح النهايات أقرب لما توقعناه فتُخفّ مساحة الخيبة، وربما تضيق حتى تكاد تختفي، ويكون ما نعيشه أصدق، وأهدأ، وأبقى.
وتبقى للمبالغة مساحة ضيّقة، تُقدَّر بقدرها، في إصلاح ذات البين حين تُستخدم بحكمة لا عادة، ولغرض الجمع لا التضليل وبقدرٍ لا يُبنى عليه حكم ولا يُغيَّر به حق.
المبالغة لا تغيّر الحقيقة لكنها تغيّرنا نحن وتجعلنا ندفع ثمن تقديرٍ لم يكن دقيقًا.