لم يعد ما نراه على الشاشة، أخطر ما يقدمه الإعلام ، بل ما يجعلنا نعتقد أنه الحقيقة. في زمن لم يعد فيه الإعلام مجرد نافذة نطل منها على العالم، ولم تعد الدراما العاطفية مجرد مادة للتسلية، ولا باتت القصص الرومانسية استراحة قصيرة بعد يوم شاق، بل أصبح أعمق من ذلك بكثير.

فكل ما تقع عليه حواسنا مع التكرار يتحول إلى برمجة خفية ومخيفة. نحن أمام منصات لا تنام، وشاشات زرقاء مضاءة على الدوام، ومحتوى متنامٍ لا يكتفي بهدر الوقت، بل يعمل على فصل الوعي عن الواقع. لم يعد المشاهد متلقيًا عابرًا، بل أصبح ساكنًا دائمًا في عالم درامي موازٍ؛ عالم يبدو أكثر دفئًا وإثارة من الحياة الواقعية، وأكثر امتلاءً بالعاطفة من العلاقات الحقيقية الجامدة. يهدف هذا العالم إلى بناء نموذج وعي مثالي مُشبِع للأهوَاء ومُثير للأحاسيِس، فتغدو العلاقات العاطفية معيارًا للامتلاء، وتُختزل السعادة في صورة واحدة: أن يجد الإنسان نفسه مع «الحب المنتظر»!

ولعل أكثر من يتأثر بهذا الفيضان العاطفي هن فئة الفتيات المراهقات. لا لأنهن أضعف وعيًا، بل لأن السوق الإعلامية تعرف جيدًا كيف تسدد رميتها، فتتحدث بلغة خيالاتهن، وتستثمر رهافة مشاعرهن، وحاجتهن الفطرية إلى الأنس والاحتواء والتعبير عن الذات.


فعندما تنشأ الفتاة في بيئة إعلامية ذكية تُعلي من قيمة الحب، وتبجّل العاطفة، وتصفها ذروة السعادة وأكسير الحياة، فإن وعيها دون أن تشعر، يُعاد برمجته وترتيب أولوياته. فتتراجع معاني الحياة الكبرى والقيم العليا التي تربَّت عليها، مثل: الإنجاز، والرسالة، وتحقيق الذات، وبناء المستقبل. وتتمحور غاياتها وأهدافها حول سؤال واحد: «كيف أجد الحب الذي يشبه ما رأيت؟». وهنا تكمن الحيلة.

بدل أن تُوظَّف طاقات الفتيات وخيالاتهن نحو اكتشاف إمكاناتهن الداخلية وبناء المهارات المستقبلية لتحقيق التمكين الحقيقي، تُستنزف هذه الطاقة في ملاحقة مشاهد سريعة الإيقاع، جذّابة الصور، تعرضها الشاشات والمنصات.

لكن تحميل الإعلام وحده المسؤولية حكم غير منصف. فبعض الفتيات نشأن في بيئات مهملة لمشاعرهن، لا يجدن فيها مساحة للتعبير، ولم يُستمع إليهن بعمق، ولم تُفهم احتياجاتهن العاطفية كما ينبغي، ولم يُوجَّهن بوعي. ومع هذا الجفاف العاطفي، وغياب التقدير والإصغاء، تدخل الدراما والروايات العاطفية لتملأ الفراغ، لا لتوازنه، بل لتعيد تشكيله بالكامل. ومن هنا تتكون فجوة واسعة بين الواقع والصورة الذهنية.

فتاة تقارن حياتها بما تراه على الشاشة لا تعود ترى حياتها كما هي، بل كما «يجب» أن تكون وفق النموذج الذي تشربته. فتبدأ بالشعور أن حياتها أقل قيمة، وأن مجتمعها لا يفهمها، وأن السعادة مؤجلة إلى أن تتحقق تلك الصورة المثالية.

ومن الأمثلة القريبة على هذا الإغراق العاطفي وتأثيره على الفتيات، شخصيات مسلسل «شارع الأعشى» الذي عُرض في شهر رمضان وأصبح حديث المجتمع بقصصه المثيرة. يُعد هذا المسلسل مثالًا حيًا على ظاهرة الإغراق العاطفي في الإعلام المُسَوِّق للعاطفة، وأثره على الفتيات والمجتمع في ظل غياب الثقافة والتوعية والتوجيه الصحيح في كثير من الأسر.

أظهر المسلسل الصراعات الكبيرة التي تعيشها الفتاة المتأثرة بالإعلام: بين عادات مجتمعها ومعتقدات أهلها واحتياجاتها النفسية من جهة، وبين ما يقنعها به الإعلام من جهة أخرى. وهذا ما أدى إلى تغيّر نظرتها إلى المجتمع والحب والزواج. فبعضهن بدأن يبحثن عن «الحب» كسبيل للخلاص والحياة المثالية السعيدة، ويندفعن ويتخذن قرارات مصيرية مؤذية لهن وصادمة للمجتمع كما شاهدنا في شخصيات المسلسل. لكن الفارق الجوهري بين فتيات جيل زد وفتيات «شارع الأعشى» يكمن في طبيعة الغرق نفسه: فتاة «الأعشى» غرقت بصخب؛ أخطأت، واصطدمت، وتألمت، ثم تعلمت ونضجت. أما اليوم، فثمة غرق آخر بلا صوت، لا صدام فيه، ولا تجربة حقيقية، ولا حتى فرصة للنضج. مجرد هروب مستمر إلى عالم موازٍ يعيد تشكيل الشعور دون أن يسمح بفهمه. وهنا يصبح الغرق أكثر هدوءًا، لكنه أعمق وأخطر.

في النهاية، القضية ليست قصة مسلسل واحد، ولا مجرد مقارنة بين جيلين، بل هي وعي جديد يتشكل بصمت في عقول وقلوب فتياتنا.

والسؤال الحقيقي ليس: «من غرق أكثر؟» بل: «من لا يزال قادرًا على النجاة؟»