بلدة طبب هي أول عاصمة في تاريخ منطقة عسير، ولها دور مفصلي، وهوية، وموقع، وتاريخ يحمل من القيمة ما يجعلها مؤهلة لأن تكون نموذجا وطنيا يُحتذى به، بل نتطلع ونحلم أن تكون محافظة.

لكن المؤلم أن التحدي لتنميتها لم يكن يوما في مشاريع التطوير... بل في طريقة التعاطي مع التطوير، وقصة قرية الحضن في بلدة طبب تختصر المشهد كله.

مشروع من وزارة الشؤون البلدية والقروية وأمانة منطقة عسير، لتطوير قرية الحضن، معتمد ضمن الميزانية منذ عام 1442هـ / 1443هـ، واضح الهدف، معلوم المسار، وكان من المفترض أن يُحدث نقلة نوعية في المكان... حيث تم تنفيذ بعضه بصورة لم ترقَ للمأمول، ثم لم يُستكمل، لأسباب لا أعلم فعليا من يقف خلفها، وكانت النتيجة عدم اكتمال التنفيذ.


وهنا لا أتحدث عن حالة عابرة أو أمر منقول... بل عما عايشته بنفسي، فقرية الحضن تمثل نموذجا لما حدث فعليا، وقد يحدث في أي قرية يريد بعض أهلها أن تتجه نحو التطوير أو يعتمد لها مشروع تطوير، فتصطدم بمن يحاول وينجح في إعاقته.

ما أعلمه أن الكثير ممن يعارضون التطوير في أي مكان قد لا يحملون سببا أو رؤية بديلة واضحة، ولا يقدمون حلولا عملية ولا عذرا منطقيا، بل يكون الاعتراض ناتجا أحيانا عن مواقف خاصة تجاه الراغبين في التطوير بل لمواقف ومواضيع أخرى لا علاقة لها بالتنمية والتطوير، بل إن هذه الاعتراضات في بعض القرى لا تكون خفية، بل شبه ظاهرة، وقد يصل الأمر إلى تداول معلومات غير دقيقة، ومحاولات للتأثير على صورة من يسعى للتطوير، سواء كان فردا أو جهة، وهذا النمط من الأذى الخفي لا يقتصر على المشاريع الصغيرة، بل قد يظهر كذلك في مشاريع تطويرية أكبر.

هناك فئة موجودة للأسف في بعض القرى والمدن، تميل إلى التعطيل، وبثّ القلق والإشاعات حول مشاريع التنمية والتطوير، وخلق بيئة غير مشجعة، ما قد يعيق بعض محاولات التقدم أو يؤدي إلى تعثرها أو تأخرها، وهنا تظهر المشكلة الحقيقية، فعندما تتحول بعض أنماط التفكير التقليدي إلى عامل إبطاء، ويُمنح هذا التوجه تأثيرا أكبر من حجمه، ويجد من يسمعه، يصبح أي مشروع تنموي عرضة للتوقف قبل أن يرى النور، والأغرب أن «قلاع أبونقطة» في محيط بلدة طبب التاريخية، وفي وسط قرية الحضن، حصدت اعترافا عالميا بحصولها على جائزة أفضل القرى السياحية في العالم لعام 2024 من الأمم المتحدة.

العالم يرى القيمة... بينما لم يكتمل مشروع قرية الحضن. تناقض لا يمكن تجاهله، والصمت عنه أغرب ما يكون، فالمسألة ليست مجرد اختلاف وجهات نظر أو تعطيل تنمية، بل تحتاج إلى مراجعة أعمق لطريقة فهم المصالح، وتعطيل التنمية، ومعرفة المتسببين ثم محاسبتهم، حين تستجيب أي جهة أو أي صاحب قرار لضغوط أو ملاحظات جزئية هدفها تعطيل مشروع تطوير فالنتيجة بكل تأكيد عدم اكتمال التطوير، وإهدار فرصة مفيدة للجميع، وتأخير تنمية كان يمكن أن تعود بالنفع على الكل، وفي حالتنا في مشروع تطوير قرية الحضن، قرابة 7 سنوات دون وضوح كافٍ في مسار المعالجة أو التنفيذ، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة...

قرابة 7 أعوام أي ما يعادل 10% من أعمار الأمة تضيع هباء منثورا، دون معرفة النوايا أو تفسير الدوافع ؟!

لكن من المهم توصيف الحالة كما هي وتحليل الواقع كما يلي:

تعطيل مشاريع في مواقع ذات قيمة عالية، من بينها موقع يُعد من أبرز المواقع في المملكة العربية السعودية، وواحدا من 12 موقعا في الشرق الأوسط اختير ضمن أفضل القرى في العالم من منظمة السياحة العالمية في الأمم المتحدة أمر في غاية الغرابة، وفي القرى تحديدا، تتكرر هذه الظاهرة من تعطيل التنمية بشكل أوضح من المدن، التي يكون التغيير فيها جزءا من الحياة اليومية، وقد تعايش الناس معه، أما في القرى، فالحرص على تطوير المكان يكون أضيق أحيانا، وقد تُترجم في ظاهرها إلى مبالغة في الحرص المبالغ فيه تجاه أي التطوير لأهداف كما نوهت عنها سلفا لا علاقة لها بالتنمية، على الرغم من أن القرى في الغالب شبه مهجورة إلا من المناكفات وباللهجة المحلية (المقاحرة) والنتيجة واحدة:

المكان الذي لا يتجدد... قد يفقد كثيرا من فرصه، مهما كان تاريخه عريقا.

ما حدث في قرية الحضن ليس مجرد مشروع متعثر، بل نموذج لما يمكن أن تفعله بعض أنماط التفكير الخفي المتكلس حين يُعطى روادها أكبر من حجمهم، فيتسبب في تعطيل التنمية لسنوات طويلة، وتتسبب هذه التصرفات الصغيرة والسماع لها في إضاعة فرص كان يمكن أن تصنع فارقا حقيقيا لمركز طبب الإداري بشكل عام، فالتنمية لا تنتظر، ولا تحتمل التردد، ولا تحتمل غياب المحاسبة، فمسايرة ومجاملة المتكلسين خطأ كبير.

ولهذا، فإن التنمية المستدامة ومشاريع التطوير بحاجة إلى وضوح في القرار، وحزم في تنفيذ المشاريع المعتمدة، وتوازن في الاستماع، فليس كل اعتراض يُؤخذ به، ولا كل صوت يمثل المصلحة العامة، بل تفعيل مبدأ وقاعدة (فَتَبَيَّنُوا) ضرورة، وإذا لم يحضر في مثل هذا المشروع، فمتى يحضر؟!

تعطيل التنمية أثره فوات فرص وخسائر مادية وتعطيل تنمية مستدامة للمجتمع والاقتصاد والمكان، وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم:

أن التحديات التي تواجه تنمية القرى لا تكمن في نقص المشاريع والتطوير... بل في طريقة التفكير، والتساهل مع شواكيش التعطيل.