لمن لا يعرف الرجل ديفيد أتنبره الذي ولد عام 1926 في لندن، هو مقدم برامج وثائقية عن البيئة الطبيعية بكل ما يمكن أن يندرج تحت هذا المسمى، طيلة 72 عامًا من العمل الميداني، في كل أصقاع الكرة الأرضية. وقد أدى به ذلك إلى أن التصقت البرامج الوثائقية عن الحياة الفطرية بديفيد أتنبره كما لو كان هو ملك البرامج الوثائقية بلا منازع.
يكمن - ببساطة - تميز الرجل في مثابرته على تقديم برامجه في خط تصاعدي باستمرار، منذ بداياته في تقديم برامج عن الحيوانات في حديقة حيوان لندن، مرورًا بسلسلة وثائقيات مثل: الحياة على الأرض (LIFE ON EARTH)، الكوكب الأزرق (THE BLU PLANET)، كوكب الأرض (PLANST EARTH)، الكوكب المتجمد (THE FROZEN PLANET)، وغيرها الكثير مما يصعب حصره في مقال صحفي. غير أن هذه البرامج ليست اعتيادية، بل تتطلب جهدًا ومشقة وإعدادًا علميًا ولوجستيا متكاملًا، وقبل هذا وذاك شغفًا من الباحث نفسه وإرادة صلبة لا تعرف الكلل. وكان ذلك يقدم للمشاهد بأسلوب يأسره، يبدو معه البرنامج، وكأن المشاهد يعيش المشهد نفسه.
نقل أتنبره الطبيعة الى كل بيت به جهاز تلفاز بأسلوب شيق، مبسط، توثيقي، وتعليمي، وترفيهي أيضًا، وهي مواصفات وان بدت اعتيادية اليوم، لكن الإعداد لها والاستمرارية بالنوعية نفسها والمستوى الراقي من التقديم، بالوتيرة نفسها، أمر لا يمكن تحقيقه دائمًا.
تخيل مهمات بحث واستقصاء عن قرب للحياة البرية، من ألاسكا في أقصى شمال غرب أمريكا الشمالية، مرورًا بالقطبين، فقارة انتاركتيكا، ومنها إلى جبال الأنديز في الأمريكيين، بامتدادها وتنوعها الجيولوجي والبيولوجي، مرورًا بغابات الأمازون ومنها إلى أدغال أفريقيا، وسهول سرنجيتي الشهيرة، ونيلها العظيم، ومنها إلى صحرائها الكبرى. وفي أسيا إلى سقف العالم وهضبة التبت وسلسلة الهيمالايا، مرورًا بالهند وما حوت إلى الجزر الهندو صينية في جنوب شرق آسيا، التي تعد بالآلاف، إلى النهر الأصفر، صعودًا إلى سيبيريا، ومضيق بيرنج في أقصى شمالها وعودا إلى ألاسكا. هكذا لم يكد يبق موطئ قدم يصله الإنسان لم تشمله وثائقيات أتنبره.
ضمن هذا السياق الجغرافي الذي يشمل الكرة الأرضية كافة، تبدو برامج وثائقيات ديفيد أتنبره وكأنها روايات الطبيعة وأنت تراها تتكشف أمام عينيك، إن شئت تراها بعين العالم المتخصص فلك ذلك، وإن شئت أن تراها بعين المؤرخ الطبيعي فلك ذلك أيضًا، وإن كان المشاهد ناشطًا بيئيًا فله ذلك أيضًا. لقد نقلت وثائقيات أتنبره العالم الطبيعي إلى الناس، كل الناس، وأصبحت الحياة البرية موضوعًا معرفيًا محببًا لدى كل من اقتنى جهاز تلفاز في أي مكان في العالم.
بطبيعة الحال فإن عملًا مميزًا كهذا وهذه الاستمرارية فيه بالجودة نفسها، هي نتاج تظافر مؤسسات إعلامية (بي بي سي) ومتاحف (متحف التاريخ الطبيعي مثلا) وجامعات ومراكز بحوث في مختلف علوم الحياة. لقد أثرت حياة أتنبره الحافلة بالنجاحات هذه المؤسسات وجعلت من الحياة الفطرية على الأرض مادة ترفيهية وعلمية في آن واحد. بدوره فقد ألهم أتنبره جيلًا كاملًا من الباحثين والناشطين البيئيين لتكملة إرثه الضخم.
ديفيد أتنبره في مستهل الربع الثاني من القرن الواحد العشرين يأتي استمرارًا لأسماء إنجليزية صنعت تاريخ إنجلترا والعالم من إسحق نيوتن، إلى جون لوك، إلى توماس هوبز، إلى آدم سميث، إلى شكسبير والقائمة تطول. غير أن تخطيه عتبة المئة عام، وهو كمن يبدو في عقده الخامس أو السادس، يؤكد دور هذه الجزيرة الصغيرة في صنع تاريخ العالم المعاصر، ويؤكد المقولة الشهيرة: العمر ليس سوى مجرد رقم.