مفارقة جميلة، أليس كذلك؟ أنت تقرأ عن مرض عصرنا وأنت تمارسه في اللحظة ذاتها.. عيناك تتحركان بخفة، قلبك ينبض بانتظار «النقطة التالية»، عقلك يستعد لاستخراج «فائدة» من النص قبل أن ينتهي.. نحن جميعًا نفعل ذلك.. نحن نقرأ عن الراحة بتوتر، ونبحث عن حلول للإرهاق بإرهاق أكبر.
خذ نفسًا
لاحظ كيف أن العالم لم ينهَر حين توقفتَ لثانية.. الإشعارات لا تزال تنتظر.. القوائم لا تزال غير منجزة، لكنك للحظة كنتَ موجودًا هنا فقط.. لا تُنتج.. لا تستهلك.. لا تتقدم.. مجرد كائن يتنفس داخل جملة، ثم ها أنتَ عدتَ حادًا جائعًا للكلمة التالية؛ لأن السكون مخيف.. لأن الفراغ يهمس لك بأشياء لا تريد سماعها.. هذا بالضبط ما تفعله ثقافة الإنشغال، تجعلنا نخاف اللحظة التي لا تُنتج فيها شيئًا، حتى حين نقرأ عنها، نريد أن «ننتهي» منها بسرعة ونأخذ «الخلاصة» ونذهب.
في هذا النص، لن أدعك تهرب بسهولة، دعني أسألك إذن.. بهدوء، متى كانت آخر مرة جلستَ فيها دون أن تفعل شيئًا؟
ليس «استراحة» بين مهمة وأخرى، بل جلوس حقيقي.. فارغ.. عديم الغاية، ربما حدث، ربما لم يحدث أبدًا منذ أن تعلمتَ المشي.
ثقافة الانشغال لم تأتِ إلينا كوباء مفاجئ، بل زحفتْ إلينا كالظل الطويل لشجرة قديمة، منذ أن قال لنا آباؤنا إن «الوقت ذهب»، و«القطار يفوت»، منذ أن حوّلنا الصلاة من سكون إلى مهمة يجب إنجازها قبل الشروق، منذ أن أصبح الصباح نفسه ميدان معركة.. من يشرب القهوة ويرد على رسائل واتساب.
تخيّلْ معي الآن، رجلٌ في القرن التاسع عشر يعمل في مصنع، صوت الآلة يخترق عظامه، يحلم بالعودة إلى البيت ليجلس تحت شجرة، ثم جاء القرن العشرون، فأعطاه ساعة يد، ثم القرن الحادي والعشرون، فأعطاه ساعة في جيبه تذكّره كل ثانية أنه متأخر، لم يعد هناك «خارج» عن العمل.
أصبح العالم كله مصنعًا، وأنتَ الآلة التي تُدار عن بعد، والأدهى؟! أننا بدأنا نحبّ ذلك، نفتخر بأننا «نعمل تحت الضغط»، نتباهى بقلة نومنا كأنها وسام شرف، نكتب في سيرتنا الذاتية: «أعمل 16 ساعة يوميًا»، ثم ننتظر أن يُعجب الناس، كأن الإنسان لم يخلق ليعيش، بل ليُنتج، كأن قيمته ليست في أن يكون، بل في أن يُرى وهو يفعل.
خذ نفسًا آخر
هل تشعر به الآن؟، هذا التوتر الخفيف في صدرك وأنت تقرأ.. هذا الصوت الصغير الذي يقول: «حسنًا، جميل، لكن متى سنصل إلى النقاط العملية؟»، هذا الصوت هو ثقافة الإنشغال نفسها.. تسكنك، هي لا تريد أن تتركك تتأمل، تريدك أن «تستفيد».. أن تأخذ.. أن تتقدم.. أن تنتهي، لكن ماذا لو كان التقدم الحقيقي هو.. التوقف؟، ماذا لو كانت أعظم ثورة في عصرنا ليست ثورة تقنية، بل ثورة سكون؟.
لا أكتب هذه التأملات وأنا بمنأى عن المرض، لكن الكتابة في النهاية هي محاولة للوقوف قليلًا في مكان مرتفع، ولو للحظة، والنظر إلى الطريق التي جئنا منها، وكل ما أراه الآن :
بشر يركضون بلا اتجاه، يحملون هواتفهم كالقناديل في ليلة حالكة، يعتقدون أن النور الخارج من الشاشة هو ضوء الصباح.