منذ زمن، قررت أن يكون لي منهجي الخاص في الحياة، فخففت من حضوري الاجتماعي لأشتري راحة بالي وهدوئي الداخلي، وانصرفت للعلم، لا كمسار رسمي أو إطارٍ جامعي يفرض علي ما أدرس، إنما جعلتُه فضاء حرًا أتحرك فيه كما أريد.

لم تُتَح لي فرصة الجلوس على مقاعد الجامعة كطالبة، لكن هذا لم يغلق في وجهي باب التعلم، بالعكس؛ فتح لي آفاقًا أوسع. علمتُ نفسي بنفسي، وتنقلتُ بين المعارف كما تميل روحي وتختار، دون أن أحبس عقلي في تخصص واحد أو طريق مسدود.

لقد آمنت يومًا ببيت شعر لخص لي كل هذه الرحلة:


"وَاسْتَثْمِرِ الْعَقْلَ فِي عِلْمٍ وَفِي أَدَبٍ.. لَمْ يُخْلَقِ الْعَقْلُ حَتَّى يُمْتَلَى سَفَهَا"

ومن هنا أدركت أن العقل لم يُخلق ليقف عند محطةٍ واحدة، ومن الخطأ أن نختصره في شهادةٍ تُعلَّق أو مسمى يُباهى به، العقل خُلق ليبقى في حركة دائمة؛ يفهم، يتأمل، يسأل، يخطئ ثم يصحح مساره. الشهادات هي مجرد مفاتيح، وليست هي الباب نفسه.

كثيرون يظنون أن استلام الشهادة الجامعية هو نهاية الطريق، بينما الحقيقة أنها البداية فقط.

العلم ليس ورقًا يُسلّم وينتهي الأمر، إنما هو حياة تُعاش. ومن يكتفي بما حصّله في الجامعة كأنما ركن عقله في زاوية موحشة، فالثبات هنا يعني التوقف عن النمو

وقد جالستُ أشخاصًا يحملون شهادات جامعية، لكن عقولهم كانت فارغة إلا من السطحية والانشغال بالناس، ظنوا أن حصولهم على الشهادة يعني انتهاء الحاجة إلى التعلم، فاستبدلوا طلب المعرفة بالحديث عن الآخرين وتتبع تفاصيلهم، حتى غاب عنهم أن القيمة الحقيقية ليست في الورقة التي يحملونها، وإنما في الوعي الذي كان ينبغي أن يبنوه ولم يفعلوا.

اقرأ ما شئت، لكن لا تقف عند لون واحد من القراءة. تنقل بين كتب الأدب والفكر والتاريخ، وبين كتب الصالحين التي تهذب الروح وتعيد ترتيب الداخل، ولا تغفل عن القرآن؛ فهو ليس للتلاوة والعبادة فقط، إنما هو المنبع الأول لبناء وعيك كإنسان

ثم تولَّ أنت تربية نفسك، لا تتركها رهينة تأثير الناس أو ضجيج آرائهم.

كثير من التشويش الذي يحيط بنا ليس إلا انعكاسًا لفراغٍ داخلي لم يُملأ بالمعرفة ولا باليقين. فإذا امتلأ العقل بالوعي سيتسع ولن تعود للمقارنات التافهة قيمة عندك.

في النهاية، قيمتك ليست في المسار الذي وُضعت فيه، بل في الطريق الذي شققته لنفسك حين ضاقت الاتجاهات، العلم لا يُمنح كهدية، بل يُنتزع بالإرادة، ولا يقاس بالانتماء لمؤسسة، بل باتساع مداركك واستمرار أسئلتك. الحرية الحقيقية ليست في اختيار تخصصك، بل في ألا تسمح لعقلك أن يقف عند أي حد.