لم تعد الرياضة مجرد منافسات تُلعب داخل الملاعب، ولا التعليم مجرد مناهج تُدرس داخل الفصول الدراسية، بل أصبح كلاهما جزءًا من مشروع وطني متكامل لصناعة الإنسان وتعزيز الهوية، وبناء مجتمع أكثر وعيًا وطموحًا وانتماءً.

ومن هذا المنطلق جاءت مبادرة «قمم تصعد.. حين تتوحد العزائم»، التي أطلقتها الإدارة العامة للتعليم بمنطقة عسير احتفاءً بصعود نادي أبها لدوري روشن للمحترفين، بوصفها نموذجًا وطنيًا يعكس تكامل الأدوار بين التعليم والتنمية والهوية الوطنية، تحت إشراف إمارة منطقة عسير ومتابعة أمير المنطقة الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز آل سعود، الذي جعل من عسير مشروعًا تنمويًا متكاملاً تتداخل فيه الثقافة والتعليم والرياضة والسياحة وجودة الحياة، في صورة واحدة عنوانها الإنسان أولاً.

المتأمل في هذه المبادرة يدرك منذ اللحظة الأولى أنها لم تكن مجرد احتفال رياضي عابر، بل رسالة تربوية ووطنية عميقة استطاعت أن تربط بين الإنجاز الرياضي والطموح المجتمعي، وبين صعود نادي رياضي وصعود منطقة بأكملها نحو مستقبل أكثر إشراقًا، فالشعار الذي حملته المبادرة «قمم تصعد حين تتوحد العزائم» لم يكن مجرد عبارة تحفيزية، بل رؤية متكاملة تؤمن بأن النجاح لا يتحقق بالجهود الفردية وحدها، وإنما بتكامل العمل، وتوحد الرؤية، والإيمان بالقدرة على صناعة المستحيل.


وقد نجحت مدارس تعليم عسير من خلال هذه المبادرة في توظيف الإذاعة المدرسية بوصفها أداة لبناء الوعي وتعزيز الانتماء، وربط الطلاب بمحيطهم الوطني والتنموي، وتحويل الحدث الرياضي إلى مساحة تربوية وثقافية تُرسخ قيم الطموح والعمل الجماعي والإيمان بالهوية المحلية، وهذا يعكس تحولاً مهمًا في مفهوم التعليم الحديث، الذي لم يعد يقتصر على تلقين المعلومات، بل أصبح معنيًا بصناعة الشخصية وتنمية الحس الوطني لدى الطالب.

وفي ثنايا النصوص التي احتوى عليها هذا البرنامج تظهر بوضوح فلسفة تنموية متقدمة تربط بين الرياضة والاقتصاد وجودة الحياة، فالحديث عن صعود الأندية وتحول الرياضة إلى اقتصاد حيوي، وعن بناء الإنسان القادر على المنافسة، وعن تجاوز المستحيل، كلها رسائل تنسجم بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي جعلت جودة الحياة أحد أهم برامجها الوطنية، وربطت بين التنمية والإنسان والطموح في مشروع وطني واحد.

ولعل ما يميز تجربة عسير اليوم هذا التداخل الجميل بين مختلف القطاعات، حيث لم تعد التنمية مسؤولية جهة واحدة، بل أصبحت عملاً تكامليًا تشارك فيه الإمارة والتعليم والقطاع الرياضي والثقافي والمجتمعي، ومن هنا يمكن فهم الحضور الذي تصنعه المنطقة على مستوى المملكة، سواء في المشروعات التنموية، أو المبادرات الثقافية، أو الحراك السياحي، أو حتى في صناعة الإنسان وبناء الوعي.

لقد استطاع أمير منطقة عسير والفريق الذي يعمل معه من جميع الجهات أن يقدمون نموذجًا مختلفًا في الإدارة التنموية، يقوم على إشراك المجتمع، وتحويل الأفكار إلى مبادرات، وربط التنمية بالهوية المحلية، حتى أصبحت عسير اليوم تتحدث بلغة المستقبل دون أن تتخلى عن أصالتها وموروثها، وهذا ما انعكس بصورة واضحة على قطاع التعليم، الذي بات شريكًا أساسيًا في صناعة هذا التحول، من خلال المبادرات النوعية والأنشطة التي تستثمر وعي الطلاب وطاقاتهم، وتربطهم بقضايا مجتمعهم وطموحات وطنهم.

كما أن ما قدمته مدارس تعليم عسير في هذه المبادرة يعكس وعيًا تربويًا متقدمًا بأهمية استثمار المناسبات الوطنية والرياضية في تعزيز القيم الإيجابية لدى الطلاب، وغرس ثقافة الطموح والإنجاز والعمل الجماعي، فالطالب الذي يقف اليوم أمام زملائه ليتحدث عن القمة والطموح والنجاح، هو ذاته الإنسان الذي تراهن عليه الدولة في بناء المستقبل، وصناعة مجتمع أكثر وعيًا وثقة وقدرة على المنافسة.

ومن الجميل في هذه التجربة أنها لم تتعامل مع الإنجاز الرياضي بوصفه غاية نهائية، بل بوصفه بداية لمسار أكبر، وهو بناء مجتمع يؤمن بأن النجاح ممكن، وأن القمم ليست حكرًا على أحد، وأن الطريق إلى العالمية يبدأ من توحد العزائم، ومن الهمم التي تُزرع في نفوس الناشئة مُنذ الصغر.

عسير اليوم لا تحتفي فقط بفوز أو صعود رياضي، بل تحتفي بفكرة كاملة عنوانها أن الإنسان السعودي قادر على صناعة الفرق متى ما وجد الدعم والثقة والبيئة المحفزة، وهذا ما تعمل عليه القيادة الرشيدة -حفظها الله- من خلال الاستثمار في الإنسان، وتعزيز جودة الحياة، وتحويل التعليم والثقافة والرياضة إلى أدوات لصناعة مجتمع أكثر وعيًا وتقدمًا.

وحين تتوحد العزائم بالفعل، فإن القمم لا تبقى مجرد أحلام بعيدة، بل تتحول إلى واقع يُبنى بالعمل والإيمان والطموح.. وهذا تمامًا ما تصنعه عسير اليوم.