في التعليم لا تصنع القرارات أثرها من مضمونها فقط بل من توقيتها أيضا فبعض التفاصيل التي تبدو بسيطة في نظر الكبار قد تكون كبيرة في وعي الطالب لأنها ترسل له رسالة غير مكتوبة لكنها واضحة في إحساسه وسلوكه ونظرته إلى المدرسة والاختبار والنجاح، ومن هنا تأتي أهمية الوقوف عند مشهد يتكرر في نهاية العام الدراسي حين تحتفل المدارس بالخريجين قبل الاختبارات وتمنح شهادات الشكر والتقدير ثم تصل كتب العام القادم قبل أن يغلق العام الحالي، بداية لا بد أن نقدر لمعالي وزير التعليم حرصه على انتظام العام الدراسي القادم من أول يوم دراسي فهذا توجه مهم يستحق الشكر لأنه يعكس رغبة واضحة في رفع الجاهزية وضبط الانطلاقة وتخفيف الارتباك الذي قد يحدث عادة في بداية العام الدراسي الجديد.

كما أن إيصال الكتب مبكرا جهد كبير ومقدر لأنه يساعد المدرسة والأسرة على الاستعداد، ويؤكد أن الوزارة تعمل بروح تنظيمية تسعى إلى أن يكون الطالب جاهزا منذ اليوم الأول، لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو ماذا يفهم الطالب من هذا التوقيت حين يرى الطالب الاحتفال قبل الاختبار ويتسلم شهادة الشكر والتقدير، وتصل إليه كتب المرحلة القادمة قبل أن يؤدي آخر استحقاق في عامه الحالي فإن الرسالة التي قد تصل إليه ببساطة هي أن العام انتهى وما تبقى مجرد إجراء، وهنا تبدأ المشكلة فالطالب لا يتعامل مع المدرسة من خلال التعليمات فقط بل يقرأ المشهد كاملا؛ يرى الاحتفال ويسمع عبارات التهنئة ويتسلم ما يوحي بالانتقال ثم يطلب منه بعد ذلك أن يستعد للاختبار بالجدية نفسها، هذا التناقض قد يضعف في داخله قيمة الاختبار ويجعله ينظر إليه كخطوة أخيرة لا تحمل الوزن نفسه والاختبار ليس ورقة وأسئلة ودرجات فقط بل هو جزء من معنى التعليم ومن بناء المسؤولية لدى الطالب، وهو تذكير عملي بأن الجهد لا يتوقف قبل آخر يوم، وأن النجاح لا يعلن قبل أن تكتمل المرحلة.

وفي السياق نفسه، يبرز جانب آخر يستحق المراجعة وهو عودة الكادر التعليمي والإداري قبل بدء العام الدراسي بأسبوع ونصف الأسبوع، فالحضور المبكر إذا كان مرتبطا بخطط واضحة وتدريب فعلي وتجهيزات حقيقية فهو أمر مفهوم ومفيد، أما إذا تحول إلى حضور بلا مهام مؤثرة ولا طلاب ولا عمل تعليمي واضح فإنه لا يضيف قيمة حقيقية بقدر ما يصنع انطباعا بأننا نهتم بالحضور أكثر من أثر الحضور، فالاستعداد لا يقاس بعدد الأيام التي يسبق فيها الموظف بداية العام بل يقاس بما ينجز في هذه الأيام من جاهزية وتنظيم وتهيئة فاعلة للمدرسة والمعلم والطالب، فالمدرسة حين تضبط توقيت رسائلها لا تحمي الاختبار وحده بل تحمي شعور الطالب بعدالة الطريق وتعلمه أن الفرح لا يسبق الجهد، وأن التكريم أجمل حين يأتي في موضعه الطبيعي بعد أن يطمئن الطالب وولي أمره والمعلم إلى أن المرحلة أغلقت كما ينبغي، وهذه ليست مسألة شكلية بل جزء من صناعة الانضباط الذاتي الذي نحتاجه في كل مرحلة تعليمية، خصوصا في زمن نبحث فيه عن جودة التعلم ورفع نواتج التعليم وتحسين أثر المدرسة في بناء شخصية الطالب، نحن لا نعترض على الفرح بالطلاب ولا على تكريمهم ولا على إيصال الكتب مبكرا بل نقدر ذلك كله، لكن لكل شيء وقته فالاحتفال حين يأتي بعد نهاية الاختبارات يكون أصدق أثرا لأنه يرتبط بجهد اكتمل ومرحلة أنجزت ونتيجة استحقت، وكان من الممكن أن تتحقق رسالة الوزارة بصورة أجمل لو سلمت الكتب مع الشهادات بعد نهاية الاختبارات أو في نهاية آخر يوم من أيام الاختبار عندها تصل الرسالتان معا بوضوح؛ الأولى أن الاختبار له هيبته وأن المرحلة لا تنتهي إلا بعد أدائه.


والثانية أن العام القادم سيبدأ بانتظام من أول يوم وأن الكتب جاهزة والطالب مستعد والمدرسة أكثر تنظيما.

بهذا الأسلوب نحافظ على قيمة الاستحقاق ونحقق هدف الجاهزية المبكرة، دون أن نضعف دافعية الطالب أو نربك معنى النهاية في ذهنه، وكذلك عودة الكادر التعليمي والإداري قبل بداية العام ينبغي أن تكون مرتبطة ببرنامج عمل واضح ومهام محددة وورش جادة وتجهيزات ملموسة حتى يشعر الجميع أن العودة المبكرة ليست مجرد حضور إداري بل بداية حقيقية لعام دراسي أكثر جودة وتنظيما، إن المسألة ليست اعتراضا على الجهد بل دعوة إلى ترتيب الرسائل التربوية كما نرتب الجداول والخطط لأن الطالب يتأثر بما نفعله أكثر مما يتأثر بما نقوله، والمعلم كذلك يحتاج إلى أن يشعر أن وقته له قيمة، وأن حضوره مرتبط بأثر حقيقي داخل المدرسة، في النهاية ليس السؤال متى نحتفل ومتى نوزع الكتب ومتى يعود الكادر التعليمي والإداري؟!

السؤال الأهم ماذا نفعل بهذه القرارات وما الرسالة التي تصنعها في وعي الطالب والمعلم والأسرة؟ هل نريد أن نقول للطالب إن النجاح يحتاج إلى جدية حتى آخر يوم أم نتركه يشعر أن الانتقال إلى المرحلة القادمة بدأ قبل أن يؤدي اختباره؟ وهل نريد أن نجعل عودة الكادر بداية إنتاج حقيقية أم مجرد حضور يسبق العام دون أثر واضح؟ هنا يظهر الفرق بين تعليم يحافظ على المعنى وتعليم يكتفي بالمظهر.