البارحة، كنت أجوب مواقع التواصل الاجتماعي كعادتي، وخلال جولتي تلك، رأيت الكثير من اليمنيين الذين فرقتهم السياسة، بينما وحّدتهم الكوارث. اغتيال هنا، واغتيال هناك.

وفي المنتصف أجساد أنهكها الحر، وطفحت جلودها من شدة الحرارة وانقطاع الكهرباء. عدت من تلك الجولة الافتراضية إلى فراشي، وقبل أن أستسلم للنوم باغتني طفلي بسؤال غريب: «بابا، متى تشتري لنا مكيفًا؟»

استغربت السؤال، فهو يعيش في بلد لا تتجاوز درجة الحرارة فيه صيفًا عشرين درجة مئوية. لكن سؤاله أعادني سنوات طويلة إلى الوراء، إلى غرفتي القديمة، حين كنت أفتح نافذتها قبل النوم، لا لأنها تطل على البحر بل تطل على الحوش، وهي من سمات منازلنا ساحليًا، وهذا ما جعلني أمني النفس بأن تتسلل منها نسمة هواء ضلت طريقها إلى منزلنا.


وكنت إلى جانب ذلك أمارس رياضتنا الساحلية المفضلة: تحريك المروحة اليدوية المصنوعة من الخزف؛ أحركها حتى يغلبني النعاس؛ ليس لأن الهواء قد وصل، ولا لأن الكهرباء قد عادت؛ بل لأن ذراعي وعيني استسلمتا من التعب قبل أن تريا النور. وبمجرد أن هاجمتني ذكريات الحر المؤلمة، وانقطاع الكهرباء، تلك العادة الوطنية العريقة التي لم تنقطع يومًا عن الانقطاع، دخلت في غيبوبة وطنية قصيرة. وخلالها رأيت، فيما يرى النائم، أن اليمن تقدم بطلب رسمي للحصول على جائزة نوبل. ليس في السلام طبعًا، فالسلام عندنا مسألة معقدة للغاية.

نحن نحترب فيما بيننا منذ فجر التاريخ، وأكثر كمية سلام متاحة لدينا هي تلك التي نتبادلها عقب صلاة العيد أو صلاة الجمعة، ثم لا يلبث ذلك السلام طويلًا، فنعود إلى عادتنا التاريخية المفضلة: لنمارس هواية الحرب بعد كل سلام. ومع ذلك، فهذا لا يعني أننا بلد يفتقر إلى السلام، بالعكس؛ فقد تجد متجرًا علق على بابه لافتة كبيرة كتب عليها: «متجر السلام»، لتكتشف بعد الدخول أنه متخصص في بيع أجود أنواع الأسلحة. وقد تجد مطعمًا يحمل الاسم نفسه، ثم تخرج منه لتجد قتيلين أو جريحًا بسبب خلاف على الحساب مع المحاسب بعد وجبة دسمة. وكأن السلام عندنا، شأنه شأن الكهرباء، متوفر بكثرة في الأسماء أكثر منه في الواقع.

لذلك لا أظن أن لجنة نوبل ستغامر بمنحنا الجائزة في هذا المجال، لكن هذا لا يعني أنها ستتوانى في الاقتراب منا بثقة في مجال آخر، أعني بذلك مجال انطفاء الكهرباء. فنحن، وإن لم نكن الوحيدين فيه، إلا أننا من أكثر الشعوب خبرة طويلة وممارسة واستمرارية. فرغم أننا بلد يفيض بالتيارات السياسية التي عجزت، على كثرتها، عن توحيد المواطنين والمدن، فإن التيار الوحيد الذي نجح في جمع الشتات كان التيار الكهربائي أو بالأحرى غيابه. فإذا اشتكى ابن حضرموت من لهيب الصيف جنوبًا، وجد ابن الحديدة يشاركه الشكوى نفسها شمالًا. ويتقاسمان معًا الظلام نفسه، والحر نفسه، والانتظار نفسه.

أما هنا، فنحن لا نتحدث عن إنجاز عابر أو مشروع مؤقت. بل عن تقليد وطني حافظ على استمراريته عبر حكومات وأنظمة ومجالس ومبادرات واتفاقيات تعاقبت على حكمنا واختفت، بينما ظل هذا التيار الغائب يعاقبنا بلهيب غيابه ونحن نتألم ونغني له: «أشوفك وين يا مهاجر». ففي بلد تتغير فيه الحكومات والشعارات والبرامج، بقي انطفاء الكهرباء، وبقي بلدنا هو الأول والمتقدم في هذا المجال بين أقرانه في دول المنطقة، وهذا ما يجعله الأحق بالتقدم لنيل الجائزة دون منافس.

وبعد أن تقدم اليمن رسميًا للجائزة بدأت لجنة نوبل دراسة الملف بعناية، فخبرتنا في هذا المجال طويلة، وسجلنا حافل بالإنجازات، والاستمرارية فيه تكاد تكون بلا منافس. وكنت أتابع، من داخل الحلم، مجريات التقييم بكل فخر واعتزاز. لكن قبل أن تعلن اللجنة قرارها النهائي، وقع ما لم يكن في الحسبان. فجأة انطفأت الكهرباء في مقر اللجنة نفسها؛ وعندها أدرك أعضاء اللجنة أنهم أمام خبرة يمنية لا ينافسها أحد. ثم خلصوا إلى نتيجة منطقية: أن الجائزة ينبغي أن تبقى لديهم. فربما انتقلت إليهم العدوى اليمنية، وأصبحوا هم أولى بها منا. لكن كما يقول المثل:

«الحلو ما بيكملش للآخر»؛ فقد استيقظت من غيبوبتي الوطنية القصيرة على خبر ليس بغريب: دعم سعودي جديد لليمن بمنحة مشتقات نفطية بمبلغ 150 مليون دولار لتشغيل الكهرباء في اليمن. عندها أدركت أن حلم جائزة نوبل كان أضغاث أحلام، أما الواقع فكان تلك المنحة السعودية التي طار معها قلبي من الفرح، وسقطت معها حزنًا طيور الظلام، تلك التي لا يزدهر عيشها إلا في العتمة، والتي تجلت لي على هيئة وساوس شيطانية، لتهمس لي: «لكن إذا نجحت الكهرباء هذه المرة في العودة فعلًا، فإن اليمن قد يخسر جائزة نوبل إلى الأبد». ثم أضافت: «لا تحزن، فربما نعوض الجائزة غدًا في مجال الاغتيالات». عندها استعذت بالله من الشيطان الرجيم، وقلت: «اللهم أخزِيك يا شوشو».