كثيرون ينظرون إلى المدمن أو المنحرف سلوكيًا من زاوية واحدة فقط؛ فيرونه شخصًا اختار طريق الخطأ بإرادته، وربما يستحق اللوم أو العقوبة أو النبذ. لكن بحكم خبرتي المهنية الطويلة كأخصائي اجتماعي في العمل مع المدمنين والمنحرفين سلوكيًا، رأيت جانبًا آخر لا يراه كثير من الناس... جانبًا إنسانيًا مؤلمًا، يكشف أن وراء السلوك المنحرف إنسانًا ممزقًا من الداخل، يئن بصمت، ويتمنى النجاة.

لقد قابلت أعدادًا كبيرة من المدمنين وأصحاب السلوكيات المنحرفة، واستوقفتني حقيقة تكررت بشكل لافت بينهم، وهي أن عددًا كبيرًا منهم كان صريحًا جدًا في اعترافاته، بل قالها بمرارة وندم: «نحن غير راضين عن حياتنا هذه... ونتمنى لو نعود كما كنا».

هذه الكلمات لم تكن مجرد عبارات عابرة، بل كانت تُقال أحيانًا والدموع في العيون، والحسرة في الصوت، والانكسار في الملامح.


كثير منهم لم يبدأ الإدمان حبًا في المخدر أو رغبة في الانحراف، بل بدأ الأمر غالبًا بدافع الفضول، أو تأثير رفقة السوء، أو هروبًا من ألم نفسي، أو محاولة لتخفيف ضغوط الحياة. لكن ما بدأ كتجربة عابرة تحول مع الوقت إلى قيد ثقيل وسجن داخلي.

المدمن في كثير من الأحيان لا يدمن المخدر فقط، بل يدمن الهروب... يهرب من فراغه، من وحدته، من جراحه النفسية، من فشل لم يستطع تجاوزه، أو من أسرة لم يجد فيها الاحتواء الذي يحتاجه.

والمؤلم أن كثيرًا منهم يدرك تمامًا حجم الخراب الذي أحدثه الإدمان في حياته. هو يرى علاقاته تتفكك، وثقة أسرته تنهار، ومستقبله يتبدد، وصحته تتراجع... ومع ذلك يشعر بالعجز عن التوقف.

هنا ينبغي أن نفهم حقيقة مهمة:

الإدمان ليس مجرد ضعف إرادة كما يظن البعض، بل هو في حالات كثيرة مرض معقد تتداخل فيه العوامل النفسية والاجتماعية والسلوكية والبيولوجية.

ولذلك فإن التعامل مع المدمن لا ينبغي أن يكون قائمًا فقط على التوبيخ والفضيحة والنبذ، بل على العلاج المهني، والدعم النفسي، والاحتواء الأسري، مع الحزم الواعي الذي يضع حدودًا دون أن يقتل الأمل.

ومن خلال عملي، لاحظت أن كثيرًا من المدمنين كانت لديهم رغبة حقيقية في التغيير، لكنهم كانوا يحتاجون إلى من يمد لهم يدًا صادقة بدلًا من أن يدفعهم أكثر نحو القاع.

بعض الأسر — للأسف — حين تكتشف الإدمان، تتحول إلى محكمة قاسية: لوم، وصراخ، وتهديد، وتشهير. وهذا قد يزيد المشكلة سوءًا، لأن المدمن حين يفقد آخر مصادر الأمان قد يغرق أكثر.

لا يعني ذلك التساهل مع الخطأ، بل يعني التفريق بين رفض السلوك ورفض الإنسان نفسه.

هناك فرق كبير بين أن تقول لشخص:

«ما تفعله مرفوض»

وبين أن يشعر منك:

«أنت شخص انتهى ولا أمل فيك».

التجارب أثبتت أن كثيرًا من المتعافين كانوا يومًا ما في أسوأ المراحل، ثم عادوا إلى حياتهم الطبيعية، بل أصبح بعضهم مصدر إلهام للآخرين.

لهذا فإن رسالتي للأسر والمجتمع واضحة:

لا تنظروا إلى المدمن دائمًا باعتباره حالة ميؤوسًا منها. ففي داخل كثير منهم إنسان ما زال حيًا، يقاوم، ويشعر، ويتألم، وينتظر فرصة جديدة.

ورسالتي لكل مدمن أو من تورط في انحراف سلوكي:

إن شعورك بالندم ليس نهاية الطريق، بل قد يكون بداية العودة. ما دمت تشعر أن ما أنت فيه خطأ، فاعلم أن الخير في داخلك لم يمت.

العودة ممكنة... والعلاج ممكن... والتعافي ممكن.

فكم من شخص ظن أنه انتهى، ثم بدأ من جديد.

وأخيرًا، لعل أكثر عبارة سمعتها من المدمنين ولا تزال عالقة في ذهني هي:

"ليت الزمن يعود... ما كنت سأدخل هذا الطريق".

لكن الحياة تمنحنا فرصة أعظم من العودة إلى الماضي...

إنها فرصة صناعة مستقبل أفضل من اليوم.

ومن صدق في طلب النجاة، وجد الطريق إليها بإذن الله.