لا يولد المحامي وفي يده موكلون ولا يخرج من بوابة الجامعة إلى مكتب مكتظ بالعملاء، بل يبدأ رحلته وحيدًا إلا من حلمه حاملًا بين جنبيه شغف المهنة وإيمانًا بأن العدالة تستحق أن تُخدم. غير أن هذا الحلم يصطدم منذ خطواته الأولى بحقيقة قاسية فقبل أن يرافع المحامي عن حقٍ واحد وقبل أن يخط أول صحيفة دعوى يجد نفسه في مواجهة سلسلة طويلة من الأعباء والتكاليف والالتزامات المالية التي تتسابق إلى جيبه قبل أن تتسابق إليه الفرص.

فالمحامي المبتدئ لا يبدأ من نقطة الصفر فحسب بل يبدأ من نقطةٍ سالبة. رسوم ترخيص وعضوية ورسوم للمنشأة ومتطلبات مهنية وإيجارات مكاتب وأنظمة ومواقع إلكترونية وتكاليف إدارية ومصاريف تشغيل، وتأمينات ورسوم خدمات والتزامات تسويقية وتكاليف حضور البرامج والدورات، فضلًا عن الالتزامات المعيشية الشخصية التي لا تنتظر حتى يستقر دخله أو تتكون قاعدة عملائه.

والغريب أن المجتمع ينظر إلى المحامي بمجرد حصوله على الترخيص وكأنه أصبح من أصحاب الدخل المرتفع، بينما الحقيقة أن كثيرًا من المحامين المبتدئين يقضون سنواتهم الأولى وهم يناضلون من أجل البقاء المهني لا من أجل تحقيق الأرباح. فالمشكلة ليست في وجود رسوم أو التزامات؛ إذ إن كل مهنة لها تكاليفها وإنما تكمن المشكلة في تراكم الأعباء المالية في المرحلة الأكثر هشاشة في حياة المحامي المهنية، تلك المرحلة التي لم تتكون فيها بعد شبكة العملاء، ولم تستقر فيها الموارد، ولم تتشكل فيها السمعة المهنية القادرة على توليد دخل مستمر.


العدالة المهنية تقتضي أن ننظر إلى المحامي المبتدئ بوصفه استثمارًا في مستقبل المهنة لا بوصفه مصدرًا للإيرادات. فكل محامٍ متمكن اليوم كان في الأمس محاميًا مبتدئًا يبحث عن فرصة، وكل اسم لامع في ساحات القضاء بدأ ذات يوم بمكتب صغير وموارد محدودة وطموح كبير.

وإذا كانت المهنة تريد أن تجذب أفضل الكفاءات وتحتفظ بها فإن من غير المقبول أن يتحول الدخول إليها إلى اختبار مالي ينجو منه أصحاب الملاءة ويخرج منه أصحاب الكفاءة المحدودة الموارد. فالمحاماة ليست مهنة للأغنياء وحدهم بل رسالة يجب أن تبقى أبوابها مفتوحة لكل صاحب علم وقدرة واستحقاق.

ومن هنا فإن معالجة هذه الإشكالية لا ينبغي أن تكون من خلال الإعفاء الكامل من الرسوم لأن المؤسسات المهنية تحتاج إلى موارد تمكنها من أداء أدوارها، وإنما من خلال تبني فلسفة مختلفة تقوم على دعم السنوات الأولى من الممارسة.

ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال تخفيض الرسوم للمحامين الجدد خلال السنوات الثلاث الأولى، أو تقسيط الالتزامات المهنية دون أعباء إضافية، أو إنشاء صندوق لدعم المحامين المبتدئين يمول من مساهمات المكاتب الكبرى والبرامج المهنية، أو منح حوافز للمكاتب التي تتبنى تدريب وتأهيل المحامين الجدد، أو تخصيص برامج تمويل مهني ميسرة تساعدهم على تأسيس مكاتبهم دون أن تثقل كواهلهم بالديون.

كما أن من المناسب التفكير في إنشاء «حاضنات قانونية» للمحامين المبتدئين، توفر لهم مساحات عمل مشتركة وخدمات إدارية وتقنية وإرشادًا مهنيًا ، بحيث يتفرغ المحامي في سنواته الأولى لبناء خبرته القانونية بدلًا من أن يُستهلك جهده في مقاومة الأعباء التشغيلية.

المهن العظيمة لا تقاس بعدد المنتسبين إليها، وإنما بقدرتها على رعاية أبنائها في لحظات ضعفهم الأولى. والمحامي المبتدئ ليس عبئًا على المهنة بل هو مستقبلها القادم. فإذا أثقلناه بالرسوم قبل أن يعرف طريقه إلى موكليه، وأرهقناه بالتكاليف قبل أن تتكون موارده، فإننا لا نرهق شخصًا بعينه، وإنما نضع الحواجز أمام الجيل الذي سيحمل راية المحاماة بعدنا.

فأخطر ما يمكن أن تواجهه أي مهنة ليس نقص الأنظمة ولا قلة الموارد، وإنما أن يصبح الدخول إليها مكلفًا إلى الحد الذي يجعل بعض الأكفاء يعزفون عنها قبل أن يمنحوا أنفسهم فرصة النجاح فيها. وعندها لا تكون الخسارة خسارة محامٍ مبتدئ بل خسارة مهنة بأكملها.