لم يكن الشعر العربي يومًا مجرد كلمات تُقال، بل سجلًا للتاريخ، ومرآةً لأحوال الأمم، يوثق أفراحها وآلامها، وينقل إلى الأجيال صورةً صادقة عن واقع زمانه. ومن القصائد التي تجاوزت حدود الأدب لتصبح شاهدًا على مرحلة تاريخية، قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي «ضجيج الحجيج»، التي نظمها في الرابع عشر من أبريل عام 1904م، موجهًا إياها إلى السلطان العثماني عبدالحميد الثاني، معبرًا فيها عن ألمه مما صوّره من اضطراب أحوال الحجاج في تلك المرحلة.

استهل أحمد شوقي قصيدته بقوله:

ضجَّ الحجازُ وضجَّ البيتُ والحرمُ


واستصرختْ مكة في بيتِها الأممُ

ثم تساءل مستنكرًا:

تلكَ الربوعُ التي ريعَ الحجيجُ بها

هل الشريفُ عليها أملكُ العلمِ؟

ولم يكن هذا السؤال إلا مدخلًا لوصف ما رآه من معاناة، فقال:

أُهينَ فيها ضيوفُ اللهِ واضطهدوا

إن أنتَ لم تنتقمْ فاللهُ منتقمُ

أفي الضحى وعيونُ الجندِ ناظرةٌ

تُسبى النساءُ ويؤذى الأهلُ والحشمُ

ويُسفكُ الدمُ في أرضٍ مقدسةٍ

وتُستباحُ بها الأعراضُ والحُرُمُ

ثم أبدى خشيته على شعيرة الحج نفسها بقوله:

الحجُّ ركنٌ من الإسلام نكبرهُ

واليومَ يوشكُ هذا الركنُ ينهدمُ

كما وصف طريق المدينة المنورة وما كان يراه من أخطار تحيط به، فقال:

عزَّ السبيلُ إلى طه وتربته

فمن أراد سبيلًا ففي الطريق دمُ

كانت القصيدة صرخة شاعر، عبّر بها عن شعور كثير من المسلمين في ذلك الزمان، وختمها بدعوة الله أن يقيض للحرمين الشريفين حاكمًا يؤمّن الحرمين ويأمن الحجيج، فيقول:

ربَّ الجزيرةِ أدركها فقد عبثتْ

بها الذئابُ وظلَّ الراعي الغنمُ

إنَّ الذين تولَّوا أمرَها ظلموا

والظلمُ تصحبُه الأهوالُ والظلمُ

في كلِّ يومٍ قتالٌ تقشعرُّ له

وفتنةٌ في ربوعِ اللهِ تضطرمُ

وتحققت تلك الدعوة لأحمد شوقي عندكم قال (رب الجزيرة أدركها......) فاختار الله الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود (رحمه الله) حاكمًا لبلاد الحرمين الشريفين.

وهذه القصيدة تُقرأ اليوم بوصفها وثيقة أدبية تصوّر رؤية أحمد شوقي لواقع عصره، وتعكس حجم القلق الذي كان يحيط بأمن الحجيج وطرق الحج في تلك المرحلة.

ولم يكن شوقي وحده من أشار إلى ذلك الواقع؛ فقد ذكر الأمير والمؤرخ شكيب أرسلان، الذي شهد ما قبل قيام الدولة السعودية وما بعدها، أن الفرق بين المرحلتين كان كبيرًا، وأن الأمن الذي عمَّ البلاد بعد ذلك كان تحولًا تاريخيًا، حتى قال ما معناه: سبحان الذي أزال من تلك الحال إلى هذه الحال، ولم يبقَ للمرء إلا أن يسأل الله دوام هذه النعمة. (يقصد بدوام هذه النعمة هو حكم الملك عبدالعزيز) رحمه الله.

وهذه مشيئة الله أن تتغير صفحات التاريخ، حيث قيّض لهذه البلاد الملك الموحد عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، الذي وحّد أرجاءها بعد سنوات من الفرقة، وجعل أمن الحرمين الشريفين وطرق الحج في مقدمة أولويات دولته. ولم يكن ذلك مجرد شعار، بل مشروع دولة أعاد الطمأنينة إلى قلوب المسلمين، وأصبحت رحلة الحج تؤدى في أمن واستقرار بعد أن كانت محفوفة بالمخاطر في فترات من التاريخ.

ومنذ ذلك اليوم، تعاقب ملوك المملكة العربية السعودية على حمل هذه الرسالة، فشهد الحرم المكي والمسجد النبوي توسعات تاريخية، وشهدت المشاعر المقدسة مشروعات عملاقة، حتى أصبحت خدمة ضيوف الرحمن عنوانًا بارزًا لسياسات الدولة، وواحدة من أعظم صور العناية بشعائر الإسلام.

واليوم، يقف العالم أمام تجربة فريدة في إدارة الحج، حيث تستقبل المملكة ملايين الحجاج والمعتمرين من مختلف الجنسيات والثقافات، وتدير هذا التجمع البشري الهائل بكفاءة عالية، من خلال منظومة أمنية وخدمية وتقنية متكاملة.

أصبحت شبكة الطرق الحديثة، والجسور، والأنفاق، وقطار الحرمين السريع، وقطار المشاعر المقدسة، وسائل تسهم في انسيابية الحركة، بينما تعمل منظومات إدارة الحشود، المدعومة بالتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، على المحافظة على سلامة الحجاج وتنظيم تنقلاتهم.

كما وفرت الدولة منظومة صحية متقدمة تضم المستشفيات، والمراكز الصحية، والعيادات المتنقلة، والإسعاف الجوي، إلى جانب آلاف الممارسين الصحيين الذين يعملون على مدار الساعة لخدمة ضيوف الرحمن، فضلًا عن خدمات التوعية والوقاية والرعاية الطبية.

وامتد الاهتمام إلى أدق التفاصيل؛ فالساحات المبرّدة، والمظلات، ورذاذ المياه، ومياه زمزم، والتطبيقات الرقمية، وخدمات الإرشاد بلغات متعددة، جميعها أصبحت جزءًا من تجربة الحاج والمعتمر، بما ييسر أداء النسك في راحة وطمأنينة.

وفي كل موسم حج، تتكاتف الجهات الأمنية، والصحية، والخدمية، والتنظيمية، والهندسية، والمتطوعون، في منظومة عمل واحدة، هدفها أن يؤدي الحاج عبادته في أمن وسكينة، وأن يعود إلى بلده حاملًا أجمل الذكريات عن رحلته إلى بيت الله الحرام.

تواصل هذا البناء والتطوير حتى بلغ، في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وبدعم ومتابعة من ولي العهد الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، مستويات متقدمة في جودة الخدمات، وإدارة الحشود، وتوظيف التقنية، وتحسين تجربة الحاج، ضمن رؤية جعلت خدمة ضيوف الرحمن من أهم أولوياتها.

ولو قُدِّر لأحمد شوقي أن يقف اليوم في المسجد الحرام، لرأى ملايين المسلمين يطوفون في أمن، ويسعون في سكينة، ويقفون بعرفة في طمأنينة، ولشاهد رجال الأمن يسهرون على راحتهم، والأطباء يعالجون مرضاهم، والمتطوعون يتنافسون في خدمتهم، ولرأى أن الصرخة التي أطلقها قبل أكثر من قرن أصبحت صفحة من صفحات التاريخ، حلّ محلها واقع يبعث على الراحة والاطمئنان.

ولعل الأمير شكيب أرسلان كان أصدق من لخّص هذا التحول حين أشار إلى أنه رأى بعينيه الفرق بين العهدين، وأن نعمة الأمن التي عمّت الحرمين وطرق الحج كانت من أعظم النعم التي تستحق الحمد والشكر.

المقارنة بين قصيدة أحمد شوقي وواقع الحج اليوم ليست مقارنة بين شاعر وزمان، وإنما مقارنة بين مرحلتين من التاريخ؛ مرحلة عبّر فيها الشعر عن الألم، ومرحلة يتحدث فيها الواقع عن الإنجاز. فمن يقرأ «ضجيج الحجيج» ثم يشاهد ما يعيشه الحجاج اليوم، يدرك مقدار التحول الذي شهدته هذه البلاد المباركة في خدمة ضيوف الرحمن.

انتقلت رحلة الحج، بفضل الله، ثم بما بذلته المملكة العربية السعودية منذ عهد الملك الموحد، من مرحلة كان أمن الطريق فيها أمنية ينشدها المسلمون، إلى مرحلة أصبحت فيها خدمة الحجيج نموذجًا عالميًا في الأمن، والتنظيم، والرعاية، وتعظيم شعائر الله. وتلك نعمة عظيمة تستحق أن نحمد الله عليها، وأن نسأل الله دوامها، وأن يوفق كل من نذر نفسه لخدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما.

قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125]. وكأن هذه الآية الكريمة تختصر رحلةً امتدت عبر الزمن؛ من دعواتٍ بالأمن، إلى واقعٍ يعيشه ملايين المسلمين اليوم، وهم يؤدون مناسكهم في سكينة وطمأنينة، في واحدة من أعظم صور العناية بضيوف الرحمن في العصر الحديث.