حين أُطلقت التجمعات الصحية في المملكة، كان واضحاً أن الهدف يتجاوز إعادة توزيع المؤسسات الصحية أو تغيير هياكلها الإدارية. فقد جاءت هذه الخطوة كإحدى أهم ركائز تحول القطاع الصحي ضمن رؤية المملكة 2030، لتؤسس لنموذج جديد يُنظَّم فيه تقديم الرعاية حول احتياجات الإنسان، لا حول حدود المنشآت أو تبعيتها الإدارية.

وخلال السنوات الماضية، قطعت المملكة شوطاً كبيراً في تأسيس التجمعات الصحية، وبناء الحوكمة، ونقل الصلاحيات، وتطوير القدرات التشغيلية. وهي إنجازات تستحق التقدير، لأنها وضعت الأساس الذي لم يكن ممكناً الانتقال إلى المراحل التالية من دونه.

لكن مع نضوج التجربة، يبرز سؤال أكثر أهمية من سؤال «كم عدد التجمعات التي أُنشئت؟». والسؤال هو: متى يمكن أن نقول إن التجمع الصحي أصبح بالفعل منظومة رعاية متكاملة؟


في تقديري، لا يكفي أن تعمل المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية تحت مظلة إدارية واحدة حتى نعدّها نظاماً متكاملاً. فالهيكل التنظيمي يمكن إنجازه بقرار، أما التكامل الحقيقي فهو رحلة أطول تتطلب تغييراً في الثقافة، وآليات العمل، والممارسة السريرية، وطريقة قياس النجاح.

ولهذا أرى أن تقييم التجمعات الصحية في المرحلة المقبلة ينبغي أن ينتقل تدريجياً من قياس اكتمال البناء المؤسسي إلى قياس نضج التكامل نفسه. فالمؤشرات الإدارية تظل مهمة، لكنها لم تعد وحدها كافية للحكم على نجاح التجربة.

ويمكن النظر إلى هذا النضج من خلال 4 مراحل مترابطة:

المرحلة الأولى هي التكامل المؤسسي، حيث تتوحد الحوكمة، وتتكامل الهياكل التنظيمية، وتتضح المسؤوليات والصلاحيات. وهذه المرحلة تمثل نقطة الانطلاق، لكنها لا تمثل نهاية الطريق.

أما المرحلة الثانية فهي التكامل التشغيلي، وفيها تصبح رحلة المريض أكثر انسيابية، وتتقارب الأنظمة الرقمية، وتتحسن آليات الإحالة، ويعمل مختلف مقدمي الخدمة وفق إجراءات منسقة تقلل التكرار والهدر، وتختصر زمن الانتظار.

ثم تأتي المرحلة الثالثة، وهي التكامل السريري، وربما تكون الأكثر تأثيراً على جودة الرعاية. ففي هذه المرحلة لا يصبح المريض مسؤولية منشأة بعينها، بل مسؤولية منظومة كاملة تعمل وفق مسارات علاجية موحدة، وقرارات مبنية على الأدلة، وتنسيق فعّال بين التخصصات المختلفة. هنا تبدأ جودة الرعاية بالظهور في نتائج المرضى، لا في التقارير الإدارية فقط.

أما المرحلة الرابعة فهي تكامل صحة المجتمع، وهي المرحلة التي يصبح فيها التجمع الصحي مسؤولاً عن تحسين صحة السكان الذين يخدمهم، وليس فقط عن علاج من يصل إلى منشآته. عندها تتجه الجهود نحو الوقاية، والكشف المبكر، وإدارة الأمراض المزمنة، وتحليل البيانات السكانية، وتقليل الفجوات الصحية، وقياس الأثر الصحي الحقيقي على المجتمع.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق المرحلة المقبلة ليس: هل اكتمل إنشاء التجمعات الصحية؟ بل: إلى أي مستوى من التكامل وصلت؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مدى اقترابنا من تحقيق مستهدفات التحول الصحي.

ولعل المرحلة القادمة تستدعي أيضاً تطوير مؤشرات وطنية تقيس نضج التكامل بين مكونات التجمعات، بحيث لا تقتصر المتابعة على مؤشرات النشاط أو الإنتاجية، بل تمتد إلى مؤشرات تجربة المريض، واستمرارية الرعاية، والتنسيق بين مستويات الخدمة، والنتائج الصحية، والكفاءة في استخدام الموارد. فهذه المؤشرات هي التي تعكس القيمة الحقيقية لأي نظام صحي متكامل.

لقد أثبتت المملكة قدرتها على تنفيذ التحولات الكبرى، وما تحقق حتى اليوم يمثل أساساً قوياً للبناء عليه. أما التحدي القادم، فهو الانتقال من نجاح بناء الكيان إلى نجاح بناء المنظومة، ومن إدارة المؤسسات إلى إدارة رحلة المريض، ومن التكامل على الورق إلى التكامل الذي يلمسه المواطن والمقيم في كل محطة من رحلته العلاجية.

فنجاح التجمعات الصحية لن يُقاس في نهاية المطاف بعدد المنشآت التي أصبحت تحت مظلة واحدة، بل بقدرتها على أن تجعل رحلة المريض أكثر سهولة، وأكثر أماناً، وأكثر جودة، وأن تحقق صحة أفضل للمجتمع الذي أُنشئت من أجله. وعندما تصبح هذه الرحلة المتكاملة هي التجربة اليومية لكل مريض، عندها فقط يمكن القول إن التجمعات الصحية قد بلغت الغاية التي انطلقت من أجلها.