كم نجيد البكاء على الغائبين، وكم نتأخر في قول كلمة «شكرًا». ننتظر الرحيل حتى نفتش في الذاكرة عن المواقف الجميلة، ونستعيد الأعمال التي أنارت أيامنا، وكأن الوفاء لا يكتمل إلا بعد الفقد. غير أن أصدق أشكال المحبة وأعمقها هي تلك التي تصل إلى أصحابها وهم بيننا، فيسمعونها بآذانهم، وتطمئن بها قلوبهم.

في كل مجتمع أناس اختاروا أن يكونوا رسلًا للجمال. فنان يرسم ملامح الوطن بألوانه، وكاتب يوقظ فينا الأسئلة النبيلة، وشاعر يترجم نبض القلوب إلى كلمات خالدة، وممثل يجسد على المسرح والشاشة أحلام الناس وآمالهم، وموسيقي يخفف عن الأرواح وطأة الأيام، وغيرهم من المبدعين الذين يهبون المجتمع جزءًا من أرواحهم، ويزرعون في دروب الحياة نورًا يبقى طويلًا بعد انطفاء الأضواء.

هؤلاء لا يصنعون أعمالًا فحسب.. إنهم يصوغون الوجدان، ويحفظون الذاكرة، ويمنحون الإنسان فسحة من الأمل والجمال في عالم يزداد قسوة وسرعة. وكم يكون جميلًا أن يجدوا في عيون الناس امتنانًا صادقًا، وفي كلماتهم اعترافًا بما بذلوه من جهد وما قدموه من حب.


إن كلمة تقدير، أو لفتة وفاء، أو مقالًا يروي سيرة مبدع، قد تبدو أمورًا بسيطة، لكنها قادرة على أن تبعث الطمأنينة في قلب صاحبها، وأن تخبره بأن تعبه لم يذهب هباءً، وأن أثره الطيب قد وجد من يراه ويحفظه.

فالاحتفاء بالمبدعين ليس ترفًا ثقافيًا، بل خُلُق حضاري يعكس نبل المجتمع ووعيه. فالأوطان التي تكرم أبناءها في حياتهم، تغرس في نفوس أجيالها الإيمان بقيمة العطاء، وتعلمهم أن الوفاء ليس كلمة تقال عند الوداع، بل سلوك يُمارس في كل يوم.

فلنبادر إلى الاحتفاء بصنّاع الجمال بيننا، ولنجعل من الامتنان عادة ومن الشكر ثقافة. فرب كلمة صادقة تُقال في وقتها، تكون أعظم من وسام، وأبقى في القلب من أي تكريم يأتي بعد الغياب. فقبل أن يصبحوا ذكرى، لنمنحهم ما يستحقونه من محبة وتقدير وهم لا يزالون يضيئون حياتنا بحضورهم وإبداعهم.