من هذا المعنى الكبير، أطل علينا وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ، وهو يدشن التقويم الدعوي لعام 1448هـ؛ لا ليعلن عن برنامج إداري، ولا ليكشف عن خطة زمنية فحسب، وإنما ليؤكد أن الدعوة في هذه البلاد المباركة قد تجاوزت الارتجال إلى الإحكام، وانتقلت من الاجتهاد الفردي إلى العمل المؤسسي، ومن تفرق الجهود إلى وحدة المقاصد، ومن عفوية الأداء إلى دقة البناء. وما التقويم الدعوي في جوهره إلا دستورٌ للمنابر، وميثاقٌ للدعاة، وميزانٌ للخطاب، وبوصلةٌ للمقاصد، يجمع ولا يفرق، ويهدي ولا ينفر، ويبني ولا يهدم، ويصل الحاضر بالمبدأ الخالد الذي قامت عليه هذه الدولة المباركة؛ كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنهج السلف الصالح، والوسطية التي لا تعرف إفراطًا ولا تفريطًا.
ولئن نظر الناظر إلى ما احتواه هذا المشروع من مئات الموضوعات، وعشرات الأيام العلمية، وآلاف البرامج، ومئات الآلاف من المحاضرات والدروس والكلمات والرسائل، ظنها أرقامًا مرصوفة في سجل، ولكن البصير يدرك أنها ليست أرقامًا، بل نبض أمة، وأنفاس دعوة، وخطوات رجال، وسهر ليالٍ، وجهود مؤسسات، اجتمعت كلها لتقول إن الكلمة الطيبة لا تزال تؤتي أكلها، وإن منابر الخير ما زالت تنبض بالحياة. فكم من قلبٍ أثقلته الشبهات فأيقظته موعظة، وكم من عقلٍ أحاطت به الظنون فحرره درس، وكم من شابٍ كادت تجرفه أمواج الغلو فردته كلمة صادقة إلى شاطئ الاعتدال، وكم من أسرةٍ أعادت إليها رسالة دعوية معنى السكينة بعد اضطرابها. تلك هي الثمار التي لا تُحصى بالإحصاءات، ولا تُقاس بالجداول، لأنها مكتوبة في صحائف القلوب قبل أن تُكتب في تقارير المؤسسات.
ثم إن أعظم ما يشرق في هذا المشروع أنه يجعل الوسطية حقيقةً تُعاش، لا شعارًا يُرفع، ويجعل الاعتدال منهجًا يُربّى عليه الناس، لا عبارةً تتردد في الخطب. فالوسطية في الإسلام ليست منزلةً بين طرفين فحسب، بل هي كمال الاستقامة، وعدل الميزان، واستقامة الفطرة، وهي أن يقف الإنسان حيث أوقفه الله، لا يتجاوز حدوده غلوًا، ولا يقصر عنها تفريطًا.
وفي زمنٍ ازدحمت فيه المنصات، واختلطت الأصوات، وكثرت الدعوات التي تتزين بلباس الدين وهي أبعد ما تكون عن هديه، كانت الحاجة إلى خطابٍ علمي راسخ، ينطلق من أصول الشريعة، ويفقه الواقع، ويخاطب الإنسان بلغة الحكمة، حاجةً لا تقل عن حاجة الأرض إلى المطر، ولا القلوب إلى النور.
من هنا تبدو قيمة هذا التقويم؛ إذ يجعل الدعوة بناءً متكاملًا، تتآزر فيه المنابر، وتتساند فيه البرامج، وتتحد فيه الرسائل، حتى لا يبقى في الخطاب اضطراب، ولا في المقاصد اختلاف، ولا في الوسائل تناقض. فإذا تكلم الخطيب، أو درّس العالم، أو وعظ الداعية، أو أرسل الموجّه رسالته، كان الجميع يصدرون عن أصل واحد، وغاية واحدة، ورسالة واحدة.
وإن المساجد التي شرفها الله بأن تكون بيوته في الأرض، لم تُبن لتكون جدرانًا صامتة، وإنما لتكون مناراتٍ ناطقة، تشع منها الهداية كما يشع النور من الشمس، وتفيض منها السكينة كما يفيض الماء من العين الصافية. فإذا عمرت بالعلم الصحيح، والذكر الحكيم، والوعظ الرشيد، أصبحت حصونًا للأمن، ومرافئ للطمأنينة، ومدارس تُخرّج الرجال قبل أن تُخرّج الحفاظ والخطباء. وإن المملكة العربية السعودية، وهي تحمل شرف خدمة الحرمين الشريفين، لم تنظر إلى الدعوة بوصفها شأنًا محليًا، بل رسالةً إسلاميةً كبرى، تستمد شرفها من شرف الدين الذي تخدمه، ولذلك كانت عنايتها بالعلم الشرعي، وبالمساجد، وبالدعاة، وبالبرامج العلمية والدعوية، امتدادًا لرسالتها في خدمة الإسلام، وتعظيم شعائره، ونشر قيمه القائمة على الرحمة، والعدل، والحكمة، والاجتماع.
وهكذا تمضي القوافل، لا تحمل تجارة الأرض، وإنما تحمل تجارة السماء؛ تحمل القرآن إلى الأسماع، والعلم إلى العقول، والإيمان إلى القلوب، والسكينة إلى النفوس. فإذا مرّت في قرية أيقظت فيها منابرها، وإذا نزلت بمدينة أضاءت محاريبها، وإذا خاطبت إنسانًا ردته إلى ربه ردًا جميلًا. وما أجمل الأعمال إذا لبست ثوب الإخلاص، وما أعظمها إذا زانها الإتقان؛ فإن الله لا يبارك في كثرةٍ خلت من الصدق، ولكنه يبارك في عملٍ أُريد به وجهه، فأصبح وإن قل في أعين الناس كثيرًا في ميزان السماء.
المشاريع الدعوية لا تُخلَّد بكثرة أوراقها، وإنما بما تتركه من أثرٍ في النفوس، وما تغرسه من يقين، وما تبنيه من إنسان، وما تحققه من أمنٍ فكري، ووحدة صف، واجتماع كلمة. وفي ختام المطاف، يبقى شرف الدعوة إلى الله تاجًا لا يعلوه تاج، ووسامًا لا يدانيه وسام، لأنها وظيفة الأنبياء، وسبيل المصلحين، وطريق العلماء العاملين. فمن وفقه الله لخدمتها، وأعانه على حمل أمانتها، فقد ساق الله إليه نعمةً لا يحيط بها وصف، وأجرًا لا ينقضي بانقضاء العمر، بل يمتد ما امتد أثر الكلمة في قلب مؤمن، أو عقل مهتدٍ، أو جيلٍ نشأ على الهدى.