تبدو الملاعب المرشحة لبطولة كأس العالم، حينما تستضيفها السعودية في 2034، على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنها - لصغرها - طوابع بريد. ولأن الشيء بالشيء يذكر، فإن جمع الطوابع كان - في زمن ما قبل التواصل الاجتماعي - هواية الكثيرين، لما يحمله طابع البريد من معنى، فهو بحد ذاته، تذكار تاريخي لحدث أو مناسبة بعينها. لذلك هذه الملاعب ستكون بعد انقضاء الحدث رموزا معمارية. ففي واحد من أبرز ملفات الترشح لاستضافة المحفل الكروي الأبرز في العالم، نالت المملكة شرف تنظيم المونديال على 15 ملعبا، ثمانية منها في العاصمة، وأربعة في جدة، وواحد في كل من الخبر، وأبها، ونيوم. ولنا هنا وقفة خاطفة لتحليل معماري لكل من هذه الملاعب.

هناك أربعة ملاعب في العاصمة يمكن إدراجها تحت مظلة ما يسمى بعمارة الصفائح المتحركة (ARCHITECTONIC). وهي: ملعب الملك سلمان، وهو الأكبر، بسعة تتجاوز 92 ألف متفرج، ومستضيف المباراة الافتتاحية والختامية، وملعب الأمير محمد بن سلمان في القدية، غرب الرياض، وملعب روشن وملعب المربع الجديد.

من حيث الشكل يبدو واضحا، وكما ورد في التعريف بهذه الملاعب تأثرها بالتكوينات الجيولوجية بدرجات مختلفة لمدينة الرياض، حيث تبدو الملاعب الأربعة، وكأنها امتداد طبيعي لطبوغرافية هضبة نجد، بفعل عوامل التعرية من نحت وسيول ورياح وترسبات جيولوجية قديمة. أما الملاعب الأربعة الأخرى في العاصمة فهي تطوير لملاعب «الملك فهد»، ذي الشكل الدائري بخيامه التي أصبحت مصدر هويته، و«الأمير فيصل بن فهد»، و«جامعة الملك سعود» و«جنوب الرياض».


الملاعب الثلاثة الأولى هي توسعة وتطوير للملاعب الحالية، التي تشترك في أشكالها الهندسية والداخلية، ما يجعلها استمرارية تاريخية لأشكالها الأصلية. أما الأخير منها فهو امتداد لها في الشكل.

في جدة هناك ملعب الجوهرة (مدينة الملك عبدالله الرياضية )، وملعب مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، وهما متشابهان في الشكل ربما إلى حد التطابق. هناك أيضا ملعب ساحل القدية، الذي يتميز بعناصره الخارجية (الشكل فقط) التي ترمز - حسب ما جاء في وصفها - لتقليد رياضي شهير، في مدرجات ملاعب كأس العالم، وهو «الموجة المكسيكية». بينما يجسد ملعب وسط جدة إمكانية استلهام «الرواشين» في عمارة المنطقة الغربية، ضمن سياق خارطة العمارة السعودية المعاصرة. يتصل الملعب بسياقه المباشر عبر ما يبدو نسيجا حضريا يجعل منه بناء أيقونيا، ضمن نسيج تقليدي حديث في الوقت ذاته، وتبقى وظيفة هذا الطرح، هي الكلمة الفصل في تحقيق هذا الدمج الفريد بين الأصالة والمعاصرة.

في الخبر أوشك ملعب أرامكو على الانتهاء، ليكون أول ملاعب كأس العالم جاهزية. إضافة إلى شكله المروحي والهندسي في الوقت ذاته، وتعدد قراءاته، فغلافه الأبيض اللماع يجعل منه أيقونة معمارية بحق. يبقى ملعب نيوم شبيها بالملاعب التكتونية في العاصمة، وإن كان أكثر انتظاما وهندسية منها. ويبدو ملعب جامعة الملك خالد بأبها مشابها للمجموعة الثانية من ملاعب العاصمة. لذلك هناك حاجة ماسة لتوظيف مفردات العمارة المحلية الغنية، في عمارته. ويبقى استلهام خارطة العمارة السعودية في تصميم هذه الملاعب من عدمه موضوعا جديرا بالمناقشة. هذه لمحة خاطفة مبدئية، وهي قراءة شخصية على أي حال، في ظل ما توفر عنها من معلومات.

ولأن الوقت ما زال مبكرا على تنظيم الحدث تبقى هذه الملاعب (كأي مشروع أيقوني عالي القيمة والرمزية) بحاجة إلى مراجعات شاملة باستمرار، للتأكد من إيفائها متطلباتها الوظيفية والجمالية والتشغيلية، وكل ما تتطلبه هذه المشاريع الأيقونية التي ترافق الحدث. وبما أن معظم هذه الملاعب لم تبن بعد، أو ما زالت تحت التطوير، فإن هناك هامشا كبيرا للتطوير والإضافة بل وربما تغيير التصميم ذاته، اذا رأى المعنيون ذلك.

ملاعب كأس العالم في أي بلد كان، هي أيقونات معمارية، وهكذا يجب أن تكون. لذا فإن كل ملعب هو رسالة فنية هندسية معمارية تحمل معنى أصيلا وراءها. ستكون هذه الملاعب في أشكالها (أفكارها المعمارية) وفي أجوائها الداخلية (مدرجاتها من الداخل وصولا، وفرجة، وشعورا، وتفاصيلها الدقيقة) رسائل حضارية لكل دول العالم، لما وصلت إليه المملكة على الأصعدة كافة، ليكون كل ملعب طابعا بريديا خاصا به - كما ورد في مستهل المقال - يخلد هذه الفعاليات التاريخية التي لا تتكرر. وبين الطابع البريدي لكل من هذه الملاعب ورؤيته، وقد نفذ على أرض الواقع، يكمن التحدي. عرس معماري كهذا (إنشاء وتطوير 15 ملعبا رياضيا دفعة واحدة) يستوعب من الأفكار والرؤى والتطبيقات الخلاقة، ما يمكن له أن يؤسس لعصر جديد من العمارة في المملكة والمنطقة، والعالم العربي والإسلامي برمته، وقل في هذا السياق ما شئت.