فالمعلم الذي يصل إلى مدرسته بعد رحلة تمتد ساعة أو ساعتين أو ثلاثًا، ويقطع خلالها الجبال والعقاب والطرق الوعرة، ليس كالمعلم الذي يصل إلى مدرسته في دقائق. والفارق هنا ليس ترفًا ولا بحثًا عن الراحة، وإنما يتعلق مباشرة بالطاقة والتركيز والاستقرار النفسي والاجتماعي، وبالتالي بجودة ما يقدمه داخل الفصل.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق أن تطرحه وزارة التعليم بجدية:
لماذا لا يرتبط التعيين والنقل بالعنوان الوطني للمعلم؟
اليوم، تُبنى حركة التعيين والنقل وفق آليات تعتمد على ترتيب الرغبات والشرائح والمفاضلات، وقد يجد المعلم نفسه في شريحة لم تكن خياره أصلًا، أو في موقع بعيد جدًا عن مقر سكنه، والأكثر إرباكًا أن الواقع قد يكشف مفارقة يصعب فهمها: معلمة رياضيات تسكن في مدينة «ب» تُعيّن في مدينة «أ» البعيدة عنها، بينما تُعيّن معلمة أخرى من تخصص الرياضيات، وتسكن أصلًا في مدينة «أ»، في مدينة «ب». ومع اختلاف القطاعات والإدارات التعليمية، يصبح التبادل أو المعالجة شبه مستحيل، كلتاهما تؤديان الوظيفة نفسها، وكلتاهما تحت مظلة الوزارة نفسها، لكن النظام الإداري لا يرى أن قرب السكن قد يكون عاملًا مؤثرًا في الاستقرار والأداء.
فأين المشكلة؟
إذا كانت الوزارة تملك بيانات التخصص، وبيانات الاحتياج، وبيانات المدارس، فلماذا لا تضيف إليها معلومة بالغة الأهمية: العنوان الوطني للمعلم؟
العنوان الوطني معلومة مكانية يمكن أن تساعد في بناء توزيع أكثر عدالة وكفاءة للكوادر التعليمية، وتقلل من المسافات غير المنطقية بين محل السكن ومقر العمل.والأهم أن أثر المسافة لا يتوقف عند المعلم.
تخيلوا معلمة علوم (جديدة)، بعيدة عن منزلها، تستنزف جزءًا كبيرًا من يومها في الطريق، ثم تُكلَّف بتدريس مادة لغتي صفوف أولية لا تتناسب مع تخصصها (وخبرتها)، ثم نطلب منها بعد ذلك أن تحقق أفضل نواتج التعلم، هنا لا تصبح المشكلة في المعلمة وحدها، بل في طريقة توزيع (الكفاءات) من الأساس.
كيف نطالب بتحسين القراءة والكتابة والحساب، ثم نضع تأسيس الطالب في أيدي معلم بلا خبرة وقد لا يكون متخصصًا في المجال الذي يدرّسه، بينما يمكن أن يكون لدينا معلمون متخصصون قادرون على أداء المهمة بصورة أفضل لو أُعيد توزيعهم بصورة أكثر دقة؟
ولأن الصفوف الأولية هي أساس البناء، فإن من المنطقي أن يكون تدريسها من نصيب المعلمين والمعلمات الأكثر خبرة وكفاءة، ولا سيما من يحملون مستوى «خبير»، قدر الإمكان. فالتأسيس ليس مرحلة هامشية يمكن تعويضها بسهولة؛ الطالب الذي يتعثر في القراءة أو الحساب في بداياته قد يحمل هذا التعثر معه إلى سنوات دراسية لاحقة، ثم نبدأ في البحث عن برامج علاجية واختبارات مركزية وحلول لمعالجة نتائج كان يمكن الوقاية من جزء منها منذ البداية.
المشكلة إذن ليست في الطالب وحده، ولا في المعلم وحده؛ بل في السلسلة التي تبدأ من التعيين والتوزيع وتنتهي بنواتج التعلم.
ربط التعيين والنقل بالعنوان الوطني لا يعني إلغاء الاحتياج أو المفاضلة أو مصلحة المدارس، بل يعني إعادة تصميم الآلية نفسها بحيث تصبح أكثر ذكاءً وعدلًا وكفاءة، ويمكن أن يحقق عدة أهداف في الوقت نفسه، والأهم: أن ينظر إلى المعلم باعتباره (استثمارًا بشريًا)، لا مجرد خانة في جدول الاحتياج.
نحن لا نطلب من الوزارة أن تختار للمعلم مدرسته المثالية، ولا أن تلغي المفاضلة، وإنما أن تعيد النظر في فلسفة التوزيع نفسها: فيكون لدينا (نظام ذكي يقرأ التخصص، والاحتياج، والعنوان الوطني، والمسافة، والرغبات) معًا، ثم يحقق أفضل توزيع ممكن.
فربما يكون العنوان الوطني، الذي نستخدمه في معاملاتنا وخدماتنا اليومية، قادرًا على أن يكون جزءًا من الحل في التعليم أيضًا.
وفي النهاية، لا ينبغي أن ننتظر أن يصل المعلم إلى مدرسته منهكًا، ثم نسأله لماذا لم يقدم أفضل ما لديه؟