من هنا أتت أهمية فعاليات العيص للمنتوجات الزراعية التي اختُتمت مؤخرًا، لتقدم صورة مختلفة عن المحافظة، وتعرّف بما تزخر به من مقومات زراعية ومنتجات محلية تستحق أن تحظى بمزيد من الاهتمام والتسويق والاستثمار.
الفعالية ليست مجرد معرض تُصفّ فيه المنتجات أمام الزوار، وإنما مساحة يلتقي فيها الإنسان بمنتجه، والمزارع بالمستهلك، والأرض بالأسواق، وهي فرصة لأن نرى ما تنتجه مزارع العيص بعين مختلفة؛ ليس باعتباره محصولًا ينتهي عند البيع، وإنما ثروة يمكن أن تكون رافدًا اقتصاديًا وسياحيًا وتنمويًا للمحافظة.
تتميز العيص بما تنتجه من التمور، وفي مقدمتها تمر البرني، الذي يحمل قيمة تتجاوز كونه منتجًا زراعيًا إلى ارتباطه بذاكرة المكان وعمق التاريخ. ولذلك فإن برني العيص يمكن أن يكون أكثر من تمرة تُباع؛ يمكن أن يصبح علامة للمنتج المحلي، وهوية تسويقية تحمل اسم العيص إلى مختلف مناطق المملكة.
هنا تحديدًا تظهر أهمية ربط المنتج بمصدره؛ فالمستهلك اليوم لا يبحث فقط عن المنتج الجيد، بل يهتم بقصته، ومكان إنتاجه، وجودته، وما يميزه عن غيره. وتمور العيص، بما فيها البرني، تملك قصة تستحق أن تُروى، ومنتجًا يستحق أن يُسوّق، ومزارعين يستحقون أن يجدوا قنوات أوسع للوصول إلى المستهلك.
المزارع المنتشرة حول العيص لم تعد مجرد رقعة خضراء تحيط بالمحافظة، بل روافد متعددة للإنتاج والدخل والتنمية، تمد الأسواق بالمنتجات الزراعية، وتحافظ على مهنة ارتبط بها الإنسان منذ أجيال، وتمنح المحافظة ميزة يمكن البناء عليها في المستقبل.
لكن هذه الروافد تحتاج إلى منظومة متكاملة حتى تؤدي دورها بصورة أكبر؛ منظومة تجمع بين الإنتاج والتسويق والتصنيع والتعبئة والتغليف والتسويق الإلكتروني، وتفتح المجال أمام الشباب ورواد الأعمال للاستثمار في المنتجات الزراعية، وتحويلها من محاصيل موسمية إلى مشاريع اقتصادية مستدامة. فالتمرة التي تخرج من نخلة في إحدى مزارع العيص يمكن أن تكون بداية لسلسلة اقتصادية كاملة؛ من المزرعة إلى المصنع، ومن المصنع إلى السوق، ومن السوق إلى المستهلك في مختلف مناطق المملكة.
وهنا يأتي السؤال الأهم: ماذا بعد الفعالية؟
النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الزوار في يوم الافتتاح، ولا بعدد الأجنحة والمنتجات المعروضة، وإنما بما يمكن أن تتركه هذه الفعاليات من أثر مستدام. المطلوب ألا تنتهي الحكاية بانتهاء أيام الفعالية، بل أن تكون نقطة انطلاق نحو دعم المزارعين، وتطوير المنتجات، واستحداث منافذ تسويقية دائمة، وتشجيع المستثمرين على الدخول في مجال التصنيع الزراعي.
والزراعة وجه آخر للسياحة في العيص؛ فالمزرعة ليست مجرد أرض منتجة، وإنما تجربة متكاملة يمكن أن تجمع الطبيعة والتراث والغذاء والتعرف على طرق الزراعة وإنتاج التمور. ولماذا لا تصبح بعض مزارع العيص وجهات للزوار؟ لماذا لا يعيش الزائر تجربة التعرف على النخلة، وقطف التمر، وتذوق منتجات المزرعة، ثم يغادر وهو يحمل معه منتجًا يحمل اسم العيص؟
تطوير السياحة الزراعية يمكن أن يضيف منتجًا سياحيًا جديدًا للمحافظة، ويمنح المزارع مصدر دخل إضافي، ويعزز حضور العيص في خارطة الوجهات الزراعية والسياحية، خصوصًا أن المحافظة تمتلك مقومات تاريخية وطبيعية وزراعية يمكن أن تتكامل لصناعة تجربة مختلفة.
فعاليات العيص للمنتوجات الزراعية تستحق أن تكون أكثر من مناسبة عابرة؛ فهي فرصة لإعادة اكتشاف الأرض، وإبراز المزارع، ودعم المنتج المحلي، وتعزيز حضور العيص في المشهد الاقتصادي والسياحي. والأجمل في هذه الفعاليات أنها تذكرنا بأن خلف كل منتج زراعي إنسانًا، وأرضًا، وتاريخًا، وحكاية مكان. فالعيص اليوم لا تقدم منتجًا زراعيًا فحسب، بل تقدم هوية إنسان عاش مع الأرض، ومزارعًا حافظ على مهنته، ونخلة تختزن ذاكرة المكان، ومنتجًا يمكن أن يكون سفيرًا للمحافظة في الأسواق.
لا بد أن يُقال الشكر لمن صنعوا نجاحها؛ وفي مقدمتهم محافظ العيص . ويبقى الشكر الخاص للمزارعين؛ فهم أصحاب الحكاية الحقيقيون، وهم الذين حملوا رسالة الأرض وقدموا ثمارها للناس، وبجهدهم بقيت الزراعة حاضرة في هوية العيص وذاكرتها واقتصادها. فنجاح مثل هذه الفعاليات يبدأ من المزرعة، ومن يد المزارع التي غرست وسقت وصبرت حتى أثمرت الأرض.
فعاليات العيص للمنتوجات الزراعية يجب أن تكون بداية طريق؛ طريق يجعل من الزراعة رافدًا للتنمية، ومن المزارع وجهة للسياحة، ومن المنتج المحلي علامة تحمل اسم العيص. فالعيص هوية إنسان، ومنتج أرض، وحكاية تستحق أن تُروى، وحين تُمنح الأرض فرصة لتتحدث، فإن أفضل ما يمكن أن نفعله هو أن نصغي إليها.