لم تعد التنمية في المملكة مشروعًا حكوميًا يقدّم الخدمات للناس، بل أصبحت مشروعًا وطنيًا يشارك الناس في صناعته. وهذا، في تقديري، هو جوهر النموذج التنموي السعودي: قيادة ترسم الاتجاه، ومؤسسات تتكامل، ومجتمع ينتقل من موقع المستفيد إلى موقع الشريك، واقتصاد يصنع الفرص بدل أن ينتظرها.

رؤية السعودية 2030 لم تكتفِ بوضع طموحات كبرى، بل نقلت العمل الوطني إلى لغة المستهدفات والمؤشرات والمساءلة؛ فالتنمية لم تعد تُقاس بحجم الإنفاق، وإنما بما يتغير في حياة الإنسان. ويظهر ذلك في برنامج الإسكان؛ إذ ارتفعت نسبة تملك الأسر السعودية إلى 65.4% بنهاية عام 2024، واقتربت من مستهدف 70% في 2030. فالقيمة هنا ليست في بناء منزل فقط، بل في صناعة الاستقرار وتعزيز جودة الحياة.

ويتجلى النموذج كذلك في العمل التطوعي؛ فقد تجاوز عدد المتطوعين 1.2 مليون متطوع في عام 2024، متقدمًا على مستهدف الرؤية بست سنوات. وهذا التحول لم يصنعه الحماس وحده، بل صنعته منصة وطنية، وتشريعات منظمة، وفرص تطوعية تربط الرغبة بالأثر.


وفي الاقتصاد، تمثل وجهة البحر الأحمر والدرعية والعلا أمثلة على تحويل الجغرافيا والتاريخ والثقافة إلى قيمة اقتصادية وفرص عمل وتجربة إنسانية، مع المحافظة على الهوية والاستدامة. وفي جودة الحياة، يأتي المسار الرياضي نموذجًا لمشروع لا يبني طريقًا فحسب، بل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمدينة والصحة والمكان.

خصوصية النموذج السعودي أنه لا يستورد التنمية كما هي، بل يصوغها من واقعه وقيمه وطموحه. فهو يجمع قوة الدولة، وكفاءة السوق، وحيوية المجتمع؛ ليؤكد أن التنمية الحقيقية ليست ما ننجزه اليوم فقط، بل ما يبقى أثره في الغد. ويمنح كل منطقة فرصة صناعة ميزتها التنموية الخاصة.