ماذا لو وُلد نيوتن خارج أوروبا؟ كان أخذ كفايته من فيتامين دال.

انتهت النكتة لكنها لم تعد نكتة، بل أصبحت سؤالًا يتشعب، يتفرع، يكبر حتى صار يستفز كل ما نعرفه عن العبقرية.

فهل العبقرية شيء يولد مكتملًا في رأس الإنسان، أم بذرة تحتاج إلى بيئة كي تنمو؟ وكيف يصبح إنسانٌ ما «عالمًا» في مكان، ومجرد شخص عادي في مكان آخر؟


الأمر الذي يكاد لا يختلف عليه اثنان أن العبقرية لا تولد في الفراغ إنها تحتاج إلى مختبر مغلق، تحتاج إلى ظروف خاصة جدًا، أشبه بغرفة موصدة، وملل ثقيل، وسؤال لا يجد ما يلهيه في الخارج فيضطر أن يعود إلى الداخل. والتاريخ لم يكن محايدًا في اختيار أبطاله، لكنه كان منحازًا للبيئة التي تصنع السؤال. تأمل معي إنجلترا في القرن السابع عشر. باردة. ماطرة. كثيفة الضباب. النهار قصير، والليل طويل، والنوافذ مغلقة دائمًا. في الخارج، لا شيء يغري بالخروج. وفي الداخل، موقد صغير يبث الدفء.

هناك، كان التفكير ملجًا من قسوة الطقس. والنوافذ المغلقة كانت نوافذ مفتوحة على الكون. ومن الملل الإنجليزي الثقيل هذا، كان سؤال لماذا سقطت التفاحة؟ لأنه ببساطة لا يوجد شيء آخر يسقط، فكل شيء متوقف في الضباب إلا هذه التفاحة.

لكن هذه الصورة، رغم جمالها السينمائي، ليست سوى قطعة واحدة من لوحة أكبر. فالطقس وحده لا يصنع نيوتن، كما أن المطر وحده لا يصنع نهرًا. كان لا بد من شيء أقدم من نيوتن نفسه؛ شيء راكم له الطريق الذي سيمشي عليه.

وهنا يظهر ما كان خلف نيوتن، لا ما كان في رأسه فقط: التراكم المعرفي. لم يبدأ من الصفر، بل وقف على أكتاف ديكارت وكبلر وغاليليو؛ يقرأ، ويجرب، ويخطئ، ويصحح، ثم يعيد ترتيب ما وصل إليه الآخرون حتى يفتح فيه بابًا لم يروه هم.

غير أن المعرفة المتراكمة لا تكفي وحدها لصناعة عقل استثنائي؛ إنها أشبه ببذرة، مهما كانت صالحة، تحتاج إلى تربة تحتضنها ووقت يتيح لها أن تمد جذورها. وكانت كامبريدج تلك التربة.. لم تكن مجرد مبانٍ حجرية تتراص بصمت، بل مكان يستطيع فيه عقل شاب أن يقضي سنوات في مطاردة سؤال لا يدر مالًا، ولا يطعم عائلة، ولا يحل مشكلة عاجلة.

تلك الرفاهية النادرة ــ أن تملك وقتًا لتنشغل بما لا ينشغل به الآخرون ــ كانت جزءًا من صناعة نيوتن.

غير أن التربة الجيدة لا تضمن وحدها ثمرًا استثنائيًا. كان لا بد من احتكاك يختبر الفكرة. وخلف جدران الجامعة كان مجتمع علمي تنافسي؛ عيون تراقب، وعقول تنافس، وأفكار تحاول أن تصل قبل غيرها. فالفضول يفتح السؤال، لكن المنافسة لا تتركك تنام قبل أن تجد له جوابًا. وعندما دخلت الفكرة ميدان السباق، احتاجت إلى ساقين تمشي بهما. جاءت الرياضيات، والمناظير، والتجارب، واللغة الدقيقة. لم تعد الأدوات مجرد أشياء في يد نيوتن؛ كانت امتدادًا لعقله.

فكيف لقانون الجاذبية أن يجد طريقه إلى العالم من دون لغة رياضية تحمله؟ وكيف للسماء أن تكشف أسرارها لعقل لا يملك عدسة تطيل النظر إليها؟ ثم بقي شيء واحد: أن تخرج الفكرة من رأس صاحبها. فالمعرفة لا تصبح قوة بمجرد اكتشافها؛ تحتاج إلى من يقرأها، ويناقشها، ويعترض عليها، ويضيف إليها. عندها فقط تتجاوز صاحبها، وتدخل في السلسلة الطويلة التي تصنع المعرفة الإنسانية. وهنا تحولت عبقرية نيوتن من تجربة شخصية إلى معرفة عامة، ومن معرفة عامة إلى تاريخ.

وهكذا لم يكن نيوتن جزيرة ظهرت فجأة في البحر؛ كان ثمرة التقاء أشياء كثيرة: معرفة سبقت، ومكان احتضن، ومنافسة دفعت، وأدوات كشفت، وجمهور حفظ الأثر.

وهكذا تتشابك الحلقات: التراكم المعرفي يغذي المؤسسات، والمؤسسات تحتضن المجتمع العلمي، والمجتمع العلمي يطلب الأدوات، والأدوات تنتج معرفة يحتاجها الجمهور، وهذا الجمهور بدوره يعيد تغذية التراكم المعرفي من جديد. وفي كل حلقة من هذه الحلقات، كان نيوتن ابن بيئته بقدر ما كان صانعها، ولو نقصت حلقة واحدة لانهار النسيج، ولو تغيرت بيئة واحدة لتبدل المصير.

الآن، انقل نيوتن إلى قرية إفريقية نائية، تحت شمس لا تعرف الغروب. التفاحة التي سقطت على رأسه هناك لم تكن لتوقظ فيه سؤال الجاذبية، بل كان ليحتفظ بها، أو يقتسمها ويزرع بذرتها. بل ربما لم تسقط أصلًا، لأن الأشجار هناك تعرف كيف تمسك بثمارها كي لا تضيع قطرة ندى.

في مثل هذه البيئة، لماذا يفكر نيوتن في قوانين الحركة والحركة كلها حوله؟ لماذا يحسب مسارات الكواكب والكواكب تنظر إليه؟ لب الفكرة ليس أن إفريقيا «انشغلت بالحياة» وأوروبا «انشغلت بفهم الحياة». هذه عبارة جميلة، لكنها ظالمة.

فالإنسان في كل مكان كان يحاول أن يفهم الحياة، بقدر ما تسمح له الحياة. الاختلاف الحقيقي ربما كان في نوع الأسئلة التي كانت البيئة تكافئ أصحابها على طرحها.

فحين يكون الماء نادرًا، تصبح العبقرية التي تعرف كيف تحفظه أكثر قيمة من العبقرية التي تحسب مسار نجم. وحين تكون الأرض قاسية، قد يكون ابتكار أداة زراعية أهم من اختراع نظرية فيزيائية. وحين تكون التجارة هي شريان البقاء، يصبح اكتشاف طريق جديد أكثر إلحاحًا من تأمل حركة الكواكب.

ليست المسألة أن عقلًا أذكى من عقل، بل أن الحياة نفسها توزع أسئلتها على البشر، وكل بيئة تنتج نوعها من العبقرية. نعود إلى سؤال ماذا لو وُلد نيوتن في إفريقيا؟

ربما لم يكن ليصبح نيوتن. وربما كان سيصبح شيئًا آخر تمامًا: مزارعًا بارعًا، صانعًا ماهرًا، رجلًا يعرف أسرار الأرض والمطر والمواسم. أو ربما كان سيصبح عالمًا، لكن أسئلته كانت ستكون مغايرة، وإنجازاته ستكون مختلفة، وربما لم نكن لنعرف اسمه أصلا لأن المعرفة التي كان سينتجها كانت ستُروى شفهيًا، أو تُكتب بلغة لم تصلنا، أو تُدفن تحت رمال الزمن.