وهنالك لا تعود القضية قضية رأي ورأي، ولا خلاف وخلاف، وإنما تصير قضية ميزان اختلَّ، ومحكّ فسد، وسبيل أُعفيت معالمه حتى استوى فيه السالك والضال.
فطنت الشرائع المحكمة، ثم الأنظمة الراشدة، إلى أن الشذوذ إذا جاوز صاحبه، واستطال أثره إلى الناس، خرج من ضيق الحرية إلى سعة المسؤولية؛ لأن الإنسان يملك أن يخطئ في نفسه، ولكنه لا يملك أن يجعل خطأه قبلة للناس، ولا أن ينصب وهمه علمًا يُهتدى به، ولا أن يوردهم مشرعة كدرة ثم يزعم أنه لم يحملهم عليها.
ومن أجل ذلك لم تُبن الأنظمة على ملاحقة الرجال، وإنما بُنيت على حراسة المقامات؛ فإنها لا تنظر إلى الأسماء بقدر ما تنظر إلى الآثار، ولا تزن الأقوال بجرسها، وإنما بما تُحدثه في العقول والأنفس والمجتمعات، فمتى كان القول ذريعة إلى الإضرار بالمجتمع، أو بابًا إلى التغرير، أو سبيلًا إلى تلبيس الحق بالباطل، نهض النظام إليه لا غاضبًا من القائل، ولكن غيورًا على الحق الذي أُريد له أن يلتبس.
كشّرت وزارة الصحة بأنيابها مشكورة بأنظمتها على نظام الطيبات، فما راضت الشذوذ، ولا داهنته، ولا أرخت له عِنانًا يمرح في أفنية العقول، بل تلقَّته بوجهٍ عابس، وزبر زاجر، وحَجْز حاجز، إذ علمت أن المخالفة الطبية إذا استمرأت المسالك، استوطنت القلوب، ثم استعصى اقتلاعها بعد أن كانت في مبدأ أمرها لَمَمًا يسيرًا، ولا يزالون يخلعون من قلوب الناس وعقولهم بعض المعتقدات الطبية الخاطئة -ليس هذا موضع بسطها.
كذلك شأن الشرائع المحكمة والأنظمة المحكَمة؛ فإنها لا تُؤاخي الدَّخيل، ولا تُصافي الزَّيغ، ولا تُهادن الدَّغَل، ولكنها تُناجزه قبل أن يستشري، وتُناجز علله قبل أن تستحكم؛ لأنها تعلم أن أوائل الفساد لَطائفُ لا يُؤبَه لها، ثم لا تلبث أن تستحيل غوائلَ تعيا بها الحِيَل، ويعزُّ معها الرتق بعد الفتق.
فما الشذوذ إلا داءٌ أوَّله غرور، وأوسطه اغترار، وآخره بوار؛ يبتدئ همسًا في أذن صاحبه، ثم ينتهي صياحًا في أسماع العامة، حتى يُخيَّل إلى السامع أن الباطل من كثرة ترداده حقّ، وأن النشاز من فرط شيوعه لحنٌ مطرب!
وهذه سنةٌ لو تأملها المتأمل لوجدها مطردةً في كل حضارة أحكمتْ بناءها، وما أكثر بابًا فُتح فكان منه الخراب، وما أقل بابًا أُحكم فأثمر الأمن والطمأنينة.
من هنا كان الشذوذ إذا تعلق بالمصالح العامة، ليس زينة من زينة التنوع، ولا لونًا من ألوان الثراء الفكري، بل قد يغدو عاهة في ميزان المجتمع، إذا صار يزاحم الأصول الراسخة، ويستدرج العامة إلى ما لا يميزون عاقبته؛ فإن الخاصة قد تعرف مواقع الزلل، أما الجمهور فيحسبون كل مرتفع جبلًا، وكل لامع جوهرًا، وكل صائح دليلًا.
كانت الحضارات الباقية لا تكتفي بأن تفتح أبواب المعرفة، بل تحرس مداخلها؛ لأن فساد المدخل أيسر طريقٍ إلى فساد المخرج، ولأن الأمة إذا تهاونت في أوائل الأشياء، عجزت عن تدارك أواخرها. وليس أشد خطرًا على الأمم من أن تستوي عندها الأصالة والدخالة، والرسوخ والادعاء، حتى يصبح الشاذ ندًّا للمستفيض، والغريب مزاحمًا للمأثور، والطارئ منافسًا لما رسخت به التجارب، وشهدت له الأيام.
وليس الشذوذ في حقيقته أن يأتي المرء بجديد ! فإن الجديد قد يكون فتحًا، وقد يكون نعمةً تهدي العقول إلى ما خفي عنها، وإنما الشذوذ أن ينقض ما استقر عليه البرهان، ويستعلن على ما انعقد عليه أهل الفن، ثم يطلب لنفسه منزلة التحقيق قبل أن يقدم بين يدي دعواه سلطانًا من علم. فالحق لا يُعرف بأنه غريب، ولا الباطل يُرد لأنه جديد، ولكنهما يُعرفان بميزان لا يحابي قائلًا، ولا يغتر ببريق عبارة، ولا يفتتن بكثرة تابع.
ولقد حسب أقوامٌ أن كل قيد على الشذوذ عداوةٌ للإبداع، وما دروا أن الإبداع الحق لا يخشى الامتحان، ولا يهاب النقد، ولا يستتر من المحاكمة العلمية؛ لأن الذهب لا يضيره أن يُعرض على النار، وإنما الذي يجزع من المحك هو الزيف؛ إذ يعلم أن أول امتحان يذهب بطلائه، ويكشف عواره.
هكذا جرت سنن العمران منذ أقدم العصور؛ فما بقي علمٌ إلا لأنه حُرس، ولا استقام فنٌّ إلا لأن أهله ذبوا عنه، ولا دام بناءٌ إلا لأن له قوّامًا يذبون عنه غوائل العبث. أما إذا تُرك كل امرئٍ يدعو إلى ما شاء، وينقض ما شاء، ويُلبس ظنه ثوب اليقين، فقد انتقل الناس من سلطان العلم إلى غوغاء الدعاوى، ومن محكمة البرهان إلى سوق المنافرة.
ومن تأمل ذلك، علم أن الأنظمة الرشيدة لا تخاصم الآراء لذاتها، وإنما تخاصم الفوضى إذا لبست لباس الرأي، وتخاصم التغرير إذا تسمى حرية، وتخاصم الجرأة إذا ادعت أنها اجتهاد. فهي لا تطفئ السراج، وإنما تمنع من يتلاعب بالزيت؛ لأن احتراق البيت يبدأ – في أكثر الأحوال – بشرارةٍ استهان بها الناس حين ولدت.
فإذا استقام هذا الأصل في الأبدان، وفي الأغذية، وفي الدواء، وفي كل ما يتصل بمعاش الخلق، أفليس أولى به ما يتصل بمعادهم؟ وأليس البيان عن الله، والكلام في شريعته، والقول في حلاله وحرامه، أحقَّ العلوم بأن تُقام على أبوابه الحراسة، وأن تُسدَّ عنه ذرائع الشذوذ، وأن يُعرف أهله قبل أن يُعرف المتصدرون له؟
غير أن العجب كل العجب أن ترى الناس قد استقر في نفوسهم أن الشذوذ في الطب بلاء، وأن الشذوذ في الغذاء عناء، وأن الشذوذ في الهندسة قد يهدُّ بنيانًا، وأن الشذوذ في الاقتصاد قد يورث أمةً فاقةً، ثم إذا بلغ الأمرُ شريعةَ الله، وبلغ البيان عنه، والكلامَ في حلاله وحرامه، رأيت من يهوِّن الخطب، ويقول: «إنها آراء»، كأن الآراء إذا انتسبت إلى الدين بقيت مجرد آراء، ولم تتحول إلى عبادات تُقام، وحقوق تُؤدَّى، وأنكحة تُعقد، ودماء تُعصم، وذممٍ تُبرأ أو تُشغل.
وهل كانت الأمم تضع الأسوار على خزائنها لأنها تعبد الذهب؟ كلا، ولكن لأنها تعلم أن ضياع النفيس أهون أسبابه التهاون بأوله. وكذلك الشريعة؛ فإنها لا تضيع بضربةٍ واحدة، وإنما تنخرها معاول الجرأة نخرًا، حتى إذا وهن بناؤها في القلوب، لم يغن عنها بعد ذلك صياح المصلحين.
كان أسلاف هذه الأمة أبعد الناس عن الشذوذ، لا لأن عقولهم كانت تضيق بالجديد، بل لأنهم كانوا يعلمون أن الحق لا يستوحش كثرة سالكيه، وأن الباطل هو الذي يأنس بالغرابة؛ فكان أحدهم يفر من الفتوى فراره من الولاية، ويرى الشهرة في الدين محنة قبل أن تكون منقبة، ويعد مخالفة الجماعة في موضع الإجماع خلعًا لربقة الأمانة، لا مظهرًا من مظاهر الشجاعة الفكرية.
لذلك لم يكن الرسوخ عندهم بكثرة ما يقال، وإنما بكثرة ما يُترك؛ فإن الجاهل يُجيب عن كل مسألة، والعالِم يسكت عن أكثرها، لأن العلم يورث صاحبه هيبةً، كما يورث الجهل صاحبه جرأةً. ومن هاهنا قيل: إن أول العلم الصمت، وآخر الجهل الكلام.
ثم جاء زمانٌ انقلبت فيه الموازين؛ فصار بعض الناس يقيس العلم بنغمة الصوت وفخامة العباءة وتضميخ العود، ويحسب كثرة المتابعين شهادة من أهل الاختصاص، ويستبدل تزكية العلماء بتصفيق الجماهير، حتى غدا من لم يقرأ أصول الفن ينازع أهله، ومن لم يطرق بابه يزاحم أربابه، ومن لم يحمل آلة الاجتهاد يتصدر مقامه. وما ذاك إلا لأن المنابر الحديثة سبقت المحابر، ولأن الصورة سبقت السيرة، ولأن الناس فُتنوا ببريق الظهور أكثر من افتتانهم برسوخ العلم.
وههنا يظهر وجه الحكمة في التشريع؛ فإن النظام حين يقف في وجه الشذوذ، لا يقف خصومةً لفرد، ولا انتصارًا لرأي، وإنما يقف انتصارًا للميزان الذي تُوزن به الآراء كلها. إذ لو تُرك الميزان نفسه عرضةً لكل يد، لما بقي بعد حين وزنٌ يُطمأن إليه، ولا معيارٌ يُرجع إليه، ولا فرق بين محكمٍ ومتشابه، ولا بين أصلٍ وطارئ.
فإذا كان هذا شأن العلوم التي تحفظ الأبدان، أفلا يكون أولى في العلم الذي يحفظ الإيمان؟ وإذا كانت الأنظمة قد رأت أن غذاء الجسد لا يجوز أن يختلط فيه المحقق بالمتخرص، أفليس غذاء الأرواح أولى بأن يُصان عن دخيل القول، وشاذ الفهم، ومتعجل الفتوى؟ بل إن فساد البدن قد يدركه الطبيب فيداويه، أما فساد الاعتقاد إذا استقر في النفس، فكم من عمرٍ ينقضي قبل أن يبرأ منه صاحبه.
من أجل ذلك كله، فإن حماية الفتوى ليست امتيازًا للمفتين، ولا حراسةً لأشخاصهم، وإنما هي حراسةٌ للدين نفسه؛ لأن الأمة لا تحتاج إلى كثرة من يتكلم باسم الشريعة، بقدر حاجتها إلى أن تعرف من الذي يحق له أن يتكلم عنها!
ولهذا لم يكن العقلاء يضيقون بالرأي المخالف لأنه مخالف، وإنما كانوا يضيقون بما ينقض أصول الصناعة، ويهدم قواعدها، ويجعل الهوى قائمًا مقام البرهان؛ فإن لكل فنٍّ لسانًا لا يفهمه إلا أهله، ولكل علمٍ مفاتيح لا يفتح أبوابه إلا من أحكمها، فمن اقتحمها بغير عدتها، لم يزدها إلا غموضًا، ولم يزد الناس إلا حيرة.
من هاهنا كان أعظم ما تُصاب به الأمة أن يتبدل سلطان العلم بسلطان الشهرة، وأن يصبح الصدى أقوى من الصوت، والصورة أغلب من الحقيقة، فيُسأل من لا يُحسن، ويُتبع من لا يُقتدى به، ويُظن أن كثرة الأتباع دليل الرسوخ، وما هي – في كثير من الأحيان – إلا دليل سرعة الانتشار. وشتان بين ما ينتشر لأنه حق، وما ينتشر لأنه جديد، أو لأنه يوافق أهواء النفوس، فإن الحق يثبت ولو أبطأ، والباطل يخبو وإن علا حينًا.
أدركت الأنظمة المعاصرة أن الفوضى لا تبدأ حين يكثر المخالفون، وإنما تبدأ حين تضيع المرجعية؛ ولذلك لم تجعل غايتها أن تمنع الناس من الكلام، وإنما أن تجعل للكلام ميزانًا، وللممارسة ضابطًا، وللتأثير مسؤولية. وما ذاك إلا لأن الكلمة إذا جاوز أثرها صاحبها، لم تعد شأنًا فرديًا، بل غدت شأنًا عامًا تتعلق به مصالح الخلق، وتتسع به دائرة المسؤولية.
فكم من حلالٍ حُرِّم بجهل، وكم من حرامٍ استُبيح بجرأة، وكم من بيتٍ تصدع، وكم من قلبٍ اضطرب، لا لقلة العلماء، ولكن لعسر الوصول إليهم، وسهولة الوصول إلى من تشبّه بهم.
ومن أجل ذلك، فإن القضية ليست أن تُغلق الأبواب، وإنما أن يُفتح الباب الصحيح. فالأمة لا تحتاج إلى أن يُكثر الناس من الكلام باسم الشريعة، وإنما تحتاج إلى أن تعرف أين تسمع صوتها الصادق. وما أحوجها في هذا العصر إلى مرجعية ظاهرة، وبابٍ معلوم، ومنهلٍ صافٍ، لا يكدِّره المتقولون، ولا يسبق إليه المتعجلون؛ حتى إذا نزلت بالمسلم نازلة، أو أشكل عليه حكم، لم يكن أول ما يلقاه مقطعًا عابرًا، أو رأيًا شاردًا، بل علمًا راسخًا، حملته الصدور قبل أن تحمله الشاشات، وزكته الأمة قبل أن تزكيه المنصات.
وحينئذٍ لا يكون حفظ الفتوى انتصارًا لفئة، ولا تشريفًا لطائفة، بل يكون ردًّا للأمانة إلى موضعها، وإقامةً للميزان الذي قامت به السماوات والأرض، وصيانةً لأقدس ما تملكه الأمة بعد كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ؛ إذ الدين لا يحرسه السيف وحده، ولا يبقيه السلطان وحده، وإنما يحرسه – قبل ذلك وبعده – علمٌ موثوق، ولسانٌ صدوق، وميزانٌ لا يميل مع الشهرة، ولا ينحرف مع الهوى، ولا يبيع يقين القرون كلها ببريق كلمةٍ طارئة، ثم لا تلبث أن تذهب كما يذهب الزبد، ويبقى ما ينفع الناس فيمكث في الأرض!