أبها وطن، وجازان وطن، ونجران وطن، وخميس مشيط وطن. كل مدينة وقرية وهجرة، من شمال المملكة إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، جزء من جسد واحد، إذا استُهدف منه موضع كان الاعتداء على الوطن كله.
لهذا فما جرى لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره أحداثًا متفرقة أو أخبارًا عسكرية عابرة، وإنما اعتداء على سيادة دولة وأمن مواطنيها ومقيميها ومقدراتها.. ومن هنا يأتي السؤال واضحًا: إلى متى تراهن ميليشيا الحوثي على صبر السعودية؟
لقد أثبتت المملكة خلال سنوات الأزمة اليمنية أنها قادرة حين يتطلب الموقف القدرة، وحكيمة حين تكون الحكمة هي الخيار الأصعب والأشجع، ولم يكن ضبط النفس السعودي يومًا دليل ضعف أو عجز، بل كان إدراكًا لمسؤولية دولة كبيرة تعرف أن خلف الحدود شعبًا يمنيًا شقيقًا أنهكته الحرب، وأن أي تصعيد قد يدفع ثمنه الأبرياء قبل الميليشيات، وهذا ما ينبغي للحوثي ومن يقف خلفه أن يفهمه جيدًا.
السعودية لا تريد حربًا مع اليمن، لأن اليمن ليس عدوًا للسعودية. اليمن جار وشقيق، وبين شعبينا تاريخ وجغرافيا ونسب ومصالح ومصير مشترك. المشكلة مع ميليشيا اختطفت قرار بلد عربي، وحوّلت أجزاءً من أرضه إلى منصات للصواريخ والمسيّرات، ثم راحت تهدد جيرانها والممرات البحرية والتجارة الدولية. لقد مدت المملكة يدها للسلام، ودعمت المساعي السياسية والأممية، وقدمت لليمن وشعبه الكثير من الدعم الإنساني والتنموي.. لكن للسلام شرطًا بديهيًا: ألا تتحول الرغبة فيه إلى فرصة يسيء المعتدي فهمها.
وعندما تُستهدف المدن السعودية، ويُصاب المدنيون، وتُهدد المنشآت والمقدرات، فإن القضية لا تعود مناورة سياسية ولا رسالة تفاوضية، بل اعتداءً مباشر على سيادة دولة وأمن شعب..وهنا يصبح الدفاع عن الوطن حقًا لا يحتاج إلى تبرير.
ومن صحيفة تحمل اسم «الوطن»، تبدو الرسالة أكثر دلالة:
هذا وطن يعرف معنى السلام، ويحب الحياة، ويفتح أبوابه للخير والبناء والتنمية، لكنه يعرف أيضًا أن أمن الإنسان وسيادة الأرض خط أحمر، وليسا ورقةً في مفاوضات أحد.. والمسؤولية لا تقع على المملكة وحدها.. أين المجتمع الدولي من ميليشيا تهدد المدن والمنشآت والممرات البحرية؟ وأين مجلس الأمن من قراراته؟ وكم نحتاج من بيانات «إدانة واستنكار» حتى يدرك العالم أن الصاروخ والمسيّرة لا توقفهما الكلمات وحدها؟
الخطر الحوثي تجاوز منذ زمن حدود اليمن، وحين يصبح البحر الأحمر، وباب المندب عرضة للتهديد، فإن المتضرر ليس السعودية واليمن وحدهما، وإنما سفن العالم وتجارته واقتصاده وأمنه.
لذلك فإن ردع هذه الميليشيا لم يعد مطلبًا سعوديًا أو خليجيًا فحسب، بل مسؤولية دولية.
أما المملكة فقد قالت مواقفها الكثير: قوة لا تبحث عن استعراض قوتها، ودولة لا تستعجل الحرب، وقيادة تعرف متى، يكون الصبر حكمةومتى يصبح الدفاع عن السيادة واجبًا.. ومن الخطأ الفادح أن يقرأ الحوثي هذا الصبر قراءة أخرى.
فالسعودية التي تمد يدها للسلام هي ذاتها السعودية التي لا تساوم على أمنها، ومن يحسب حرصها على حقن الدماء ضعفًا، لا يعرف المملكة، ولا تاريخها ولا شعبها.
وأقولها لكل مدينة سعودية طالتها الاعتداءات ولكل مواطن ومقيم على هذه الأرض:
لن تجعلنا مسيّرة نخاف سماءنا، ولن يجعلنا صاروخ نتراجع عن حياتنا، ولن تنتزع ميليشيا من مدننا أمنها وفرحها ومستقبلها.
وفي الوقت نفسه، لا نريد لليمني البريء أن يدفع ثمن جريمة لم يرتكبها. وهذه هي المعادلة التي تفرق بين الدولة والميليشيا:
الدولة تحمي الإنسان حتى وهي تدافع عن نفسها، والميليشيا تتخذه درعًا وهي تعتدي على الآخرين.
رسالتنا ليست دعوة إلى الحرب، بل دعوة إلى ألا يُساء فهم السلام. وليقرأ الحوثي ومن يدعمه المشهد جيدًا:
صبر السعودية حكمة، وضبط النفس قوة، والسلام خيار.. لكن الوطن ليس محل اختبار..
حفظ الله المملكة قيادةً وشعبًا، وحفظ أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وكل مدينة وقرية وهجرة على ثرى هذا الوطن، ورد كيد المعتدين.
وأعاد إلى اليمن الشقيق دولته وأمنه وسلامه.