وهنا يجدر التفريق بين التربة والأرض؛ فالتربة هي الوسط الطبيعي الذي تنمو فيه النباتات بخصائصه المختلفة، أما الأرض فهي مفهوم أوسع يشمل التربة والتضاريس والمياه والمناخ وغيرها من خصائص الموقع. لذلك نتحدث عن خصائص التربة، ولكننا نتحدث عن استخدام الأرض وصلاحيتها للزراعة.
وحكاية تربة تهامة تبدأ من الجبال. هناك تتفتت الصخور بفعل عوامل التجوية الطبيعية، ثم تأتي الأمطار والسيول فتحمل معها الحصى والرمال والطمي في رحلة نحو السهل. وحين تخرج المياه من المناطق شديدة الانحدار وتخف سرعتها، تبدأ في إلقاء حمولتها؛ فتترسب المواد الخشنة أولًا، ثم الرمال، ثم الحبيبات الأدق في المواقع الأبعد. وهكذا، سيلًا بعد سيل وموسمًا بعد موسم، أسهمت الأودية في بناء أجزاء واسعة من سهول تهامة.
ولذلك لم يكن السيل في تهامة ماءً عابرًا فحسب، بل ماءً يبني الأرض. فهو لا يأتي بالماء وحده، وإنما يحمل الرواسب التي تتجدد بها التربة. ولهذا تتميز مواقع تجمع الرواسب الدقيقة، ولا سيما في الأودية والمراوح الفيضية، بزيادة نسبية في الطمي والطين، وما يصاحب ذلك في كثير من المواقع من تحسن في قدرة التربة على الاحتفاظ بالماء والعناصر الغذائية.
ومن هنا نفهم شيئًا من العلاقة القديمة بين الإنسان التهامي والسيل. فقد أدرك المزارع بخبرته أن الماء عندما ينتشر فوق أرضه لا يروي الزرع فقط، بل يترك وراءه شيئًا من حمولته. ومن هذه العلاقة نشأت ممارسات زراعية محلية هدفت إلى تحويل مياه السيول ونشرها على الأراضي الزراعية والاستفادة منها، وهي خبرة تراكمت عبر أجيال في التعامل مع الماء والأرض، وتستحق أن تُقرأ اليوم لا بوصفها ذكرى من الماضي، بل معرفة محلية يمكن أن نستفيد من فكرتها ونطور وسائلها بما يلائم الحاضر.
وتظل التربة نفسها شاهدة على ذلك؛ فكثير من ترب مجاري الأودية حديثة التكوين، تتجدد مادتها مع تكرار الترسيب الفيضي، فلا تستقر طويلًا بما يسمح بتطور آفاق تربة واضحة كما يحدث في الأراضي الأكثر استقرارًا.
وكلما واصلنا الرحلة غربًا تغير وجه الأرض. ففي بعض المواقع نجد تربًا رملية جيدة التهوية والصرف، ثم نصل إلى الأراضي الساحلية المنخفضة والسبخات حيث ترتفع الملوحة ويضعف الصرف. وبين هذا وذاك تنتشر ترب رملية وطميية تختلف في قدرتها على الاحتفاظ بالماء وفي إمكاناتها الزراعية. فالاختلاف الذي نراه فوق سطح تهامة له امتداد آخر تحت أقدامنا.
وإذا عدنا شرقًا إلى السفوح والجبال، نجد فصلًا آخر من الحكاية؛ فهناك تصبح المحافظة على التربة في مواجهة الانحدار والانجراف ضرورة، وتظهر المدرجات الزراعية شاهدًا على قدرة الإنسان على التكيف مع المكان، وحفظ التربة والماء، وتحويل السفوح إلى مساحات قابلة للزراعة.
فهم ترب تهامة ليس ترفًا علميًا، بل أساس لحسن استخدام الأرض ومستقبل الزراعة فيها. فلا ينبغي أن تُعامل أرض الوادي كما تعامل السبخة، ولا التربة الرملية كما تعامل الطميية، ولا أرض السهل كالسفح الجبلي. وقد أظهرت دراسات التربة التفصيلية تعدد وحدات التربة في السهل وارتباطها الوثيق بالأشكال الأرضية المختلفة.
وربما تكون الرسالة الأجمل التي تحملها هذه التربة أن الجبل والوادي والسهل والبحر ليست عوالم منفصلة، بل حلقات في حكاية واحدة. فالصخرة التي تتفتت في أعالي الجبال قد تصبح بعد رحلة طويلة حبة طمي في حقل على السهل، والسيل الذي ينحدر من المرتفعات لا يحمل الماء وحده، وإنما يحمل معه جزءًا من الأرض نفسها.
من هنا تصبح المحافظة على التربة، وإدارة مياه السيول، وحماية الأودية، وصيانة المدرجات، ومواجهة الملوحة، حلقات مترابطة في المحافظة على مورد لا يقل أهمية عن الماء ذاته.
فتربة تهامة ليست مجرد أرض نزرعها ونمشي عليها؛ إنها ذاكرة للمكان، وثروة تستحق أن نصونها، وحصيلة رحلة طويلة جمعت الماء بالصخر والإنسان، من الجبل إلى البحر.