ثمة أفكارٌ لا تعرف الحدود التي يرسمها المؤرخون للثقافات، ولا تعترف بالمسافات التي تفصل بين القرون؛ فهي إذا بلغت درجةً معينة من العمق، عادت إلى الظهور في عقل آخر، بلغة جديدة، وملابس جديدة، حتى يخيّل للناظر أن صاحبها قد ابتكرها من العدم. ولعلّ العلاقة الفكرية بين أبي حامد الغزالي ورينيه ديكارت من أكثر الأمثلة إثارةً لهذا السؤال: هل كان ديكارت فاتحًا لأرضٍ لم تطأها قدمٌ قبله، أم أنه أعاد اكتشاف طريقٍ كان الغزالي قد سلكه قبل ذلك بقرون؟

لقد وضع الغزالي، في المنقذ من الضلال، تجربةً معرفية شديدة الجرأة؛ إذ لم يبدأ من المسلّمات، بل بدأ من الشك فيها. راجع الحواس، وراجع العقل، وسأل: ما الذي يجعل ما أظنه يقينًا يقينًا حقًا؟ ثم بلغ بالشك مبلغًا لم يكن غايته هدم المعرفة، وإنما البحث عن أساس لا يتطرق إليه الارتياب.

وهنا تلوح المقارنة الشهيرة مع ديكارت. فديكارت، في مشروعه الفلسفي، اتخذ من الشك أداةً لتنقية المعرفة؛ شكّ في الحواس، وفي الأحكام الموروثة، وفي إمكان أن يكون الإنسان واقعًا تحت وهمٍ لا يشعر به، ثم بحث عن الحقيقة التي لا يستطيع الشك أن يهدمها. ومن رحم هذه الرحلة خرجت عبارته الأشهر: «أنا أفكر، إذن أنا موجود».


أما الغزالي فقد سبقه إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف أعرف أن ما أعرفه هو حقًا معرفة؟

وهنا لا تكمن المفارقة في أن رجلين عاشا في زمنين مختلفين وصلا إلى أسئلة متشابهة، بل في أن البنية العميقة للرحلة المعرفية بينهما تبدو متقاربة على نحو يستحق التأمل.

فالغزالي لم يكن شاكًا يريد أن يعيش في الشك، وديكارت لم يكن كذلك؛ كلاهما جعل الشك جسرًا إلى اليقين، لا وطنًا للإقامة. فالشك عند العقول الصغيرة هدم، أما عند العقول الكبيرة فهو امتحان؛ إنها لا تهدم الحقيقة لتتخلص منها، وإنما تهدم ما علق بالحقيقة من أوهام حتى تظهر عاريةً من الزيف.

ولعلّ أعجب ما في المسألة أن الغزالي، وهو الفقيه والمتكلم والصوفي، مارس نقدًا معرفيًا يمكن أن يقرأه الفيلسوف الحديث بوصفه سؤالًا في نظرية المعرفة. لقد أدرك أن الإنسان قد يخطئ لا لأنه يجهل، بل لأنه يثق في طريق المعرفة قبل أن يمتحن الطريق نفسه.

وهذا بالضبط ما سيصبح، بعد قرون، واحدًا من أعمدة المشروع الديكارتي.

ولذلك فإن القول بأن ديكارت لم يأتِ بشيءٍ له سابقة فكرية ليس دقيقًا؛ كما أن القول بأنه نقل فلسفة الغزالي نقلًا مباشرًا يحتاج إلى دليل تاريخي صريح لا تكفي معه أوجه التشابه. فالتشابه بين الأفكار لا يساوي بالضرورة انتقالها من عقل إلى عقل؛ فقد تلتقي العقول الكبرى عند السؤال نفسه، لأن الأسئلة العميقة أحيانًا تفرض على أصحابها طرقًا متقاربة.

غير أن المسألة تصبح أكثر إثارة حين نلاحظ أن بعض الدراسات الحديثة قارنت بين منهج الغزالي في الشك ومنهج ديكارت، ورأت في الأول سبقًا معرفيًا جديرًا بإعادة قراءة تاريخ الفلسفة خارج الرواية الأوروبية التقليدية.

فالمشكلة ليست في أن نقول: «الغزالي هو ديكارت قبل ديكارت»، فهذه العبارة، على جاذبيتها الصحفية، قد تختزل رجلين ومشروعين في تشابه واحد. الأجدر أن نقول: إن الغزالي كان قد بلغ في القرن الخامس الهجري سؤالًا معرفيًا سيصبح، بعد قرون، في قلب المشروع الديكارتي.

وهذا فرقٌ كبير.

فالغزالي كان يتحرك في فضاءٍ معرفي تتداخل فيه العقيدة والكلام والفلسفة والتصوف، وكان يبحث عن اليقين الذي تطمئن إليه النفس ويصح به الاعتقاد. أما ديكارت فكان يبني مشروعًا فلسفيًا جديدًا في سياق أوروبي مختلف، يبحث فيه عن أساس يقيني للمعرفة والعلم.

لكن اختلاف الغايات لا يلغي وحدة السؤال الأول: ماذا لو كانت المسلّمات التي نثق بها ليست يقينًا؟

تاريخ الفكر كثيرًا ما ظلم غيره حين جعله يبدأ من المكان الذي بدأ فيه الغرب تدوين تاريخه الحديث. وكأن الفكرة لا تصبح فلسفة إلا حين تُكتب بلغة أوروبية، ولا يصبح السؤال معرفيًا إلا إذا مرّ من بوابة الفلسفة الحديثة.

والإنصاف يقتضي أن نعيد النظر في هذا التصور.

فالعقل الإنساني ليس سلسلةً من الاختراعات المنعزلة، وإنما هو حوار طويل بين أجيال لم تجلس كلها في مجلس واحد. قد يقرأ فيلسوفٌ من سبقه، وقد يصل آخر إلى النتيجة نفسها من طريق مختلف، وقد تضيع حلقة الوصل بينهما ثم تبقى آثارها شاهدةً على قرابة السؤال.

ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن تمنحه المقارنة بين الغزالي وديكارت ليس إثبات أن أحدهما سرق من الآخر، وإنما إعادة الاعتبار إلى فكرة أن تاريخ الفلسفة أوسع من حدود الجغرافيا والزمن.

فالسبق ليس دائمًا أن تكون أول من نطق بالجملة، وإنما أن تكون أول من أدرك عمق السؤال.

قد يكون ديكارت قد أعاد بناء السؤال في لغة الفلسفة الحديثة، لكن الغزالي كان قد وقف قبله بقرون أمام المرآة نفسها، وسأل السؤال الذي لا يزال العقل الإنساني يردده: إذا كنت أظن أنني أعرف، فمن أين جاء يقيني بأنني أعرف؟

ولعلّ هذه هي المفارقة الأجمل:

أن ديكارت لم يجعل الشك بدايةً للحقيقة فحسب؛ بل إن الغزالي كان قد علّم العقل، قبل ديكارت بقرون، أن الطريق إلى اليقين قد يبدأ أحيانًا من الشجاعة على الشك.

فالفكرة العظيمة لا يملكها صاحبها إلى الأبد؛ إنها حين تولد في عقلٍ كبير، تصبح ميراثًا للإنسانية كلها.

والغزالي، في هذه المسألة على الأقل، يستحق أن يُقرأ لا بوصفه رجلًا من الماضي، بل بوصفه عقلًا ما زال يسأل الحاضر عن الأسئلة التي يظن الحاضر أنه اخترعها.