المجتمع السعودي من أكثر المجتمعات كرمًا وتعاطفًا مع المحتاجين، وهي خصلة نبيلة متجذرة في ثقافتنا وقيمنا الإسلامية، ولذلك لا يمكن النظر إلى أي مشهد لاستدرار العطف بعيدًا عن هذه الطبيعة الإنسانية التي جبل عليها المواطن السعودي، غير أن الكرم حين لا يرافقه التحقق قد يتحول، من حيث لا يقصد صاحبه، إلى باب لاستغلال العاطفة وتحويلها إلى مصدر دخل، وهو ما يستدعي التوقف أمام بعض الممارسات التي تتخذ من زيّ العمل وسيلة لاستدرار أموال المارة.

ومن يتجول في شوارع المدن السعودية وأسواقها وأحيائها التجارية يلحظ مشهدًا يتكرر بصورة لافتة، حتى أصبح جزءًا من المشهد العام الذي اعتاد الناس رؤيته دون أن يتوقفوا كثيرًا عند أبعاده وآثاره، فهناك فئة محدودة من عمال النظافة يقفون لساعات طويلة أمام البقالات والمحال التجارية ومواقع التجمعات البشرية، يراقبون المارة بنظرات استجداء صامتة، ويتعمدون البقاء في أماكن الحركة والازدحام لاستثارة مشاعر الرحمة لدى المواطنين والمقيمين.

وهذه الممارسة لا تبدو مجرد وقوف عابر أو تصرف فردي محدود في بعض المواقع، إذ تتكرر الصورة بصورة واضحة، فالعامل لا يطلب المال بصورة مباشرة، لكنه يعتمد على أسلوب أكثر تأثيرًا، يتمثل في التحديق في وجوه المتسوقين والوقوف المتواصل أمام المحال وانتظار من يبادر بإخراج المال له، وهي في حقيقتها صورة من صور استدرار المال بصورة غير مباشرة، تحقق الغاية ذاتها وإن اختلفت الوسيلة.


وما يزيد من غرابة المشهد أن هناك معلومات مؤكدة من مسؤول مباشر ومطلع على أوقات عمل هذه الفئة، تفيد بأن ساعات عملهم تنتهي عند الساعة الثانية ظهرًا، في حين يشاهد بعضهم بعد ذلك بساعات طويلة في الشوارع وأمام البقالات والمحال التجارية ومواقع التجمعات، مرتدين زيهم الرسمي حتى ساعات متأخرة من الليل، مستمرين في الوقوف واستدرار تعاطف المارة وانتظار من يقدم لهم المال، وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا: إذا انتهت ساعات العمل عند الثانية ظهرًا، فما الذي يبرر بقاء العامل حتى منتصف الليل بزيه الرسمي وفي مواقع استدرار المال؟

وهنا من المهم التأكيد أن الحديث لا يشمل عمال النظافة الشرفاء الذين يؤدون أعمالهم بإخلاص والتزام ويستحقون كل الاحترام والتقدير، فهؤلاء محل تقدير المجتمع، وإنما الحديث عن فئة محدودة أساءت إلى نفسها وإلى مهنتها وإلى صورة العمالة النظامية عندما جعلت من الزي الوظيفي وسيلة للكسب خارج إطار العمل المشروع، ولذلك ينبغي ألا يتحول نقد هذا السلوك إلى إساءة عامة إلى عمال النظافة أو انتقاص من جهودهم.

ولأن الإنصاف يقتضي الاستماع إلى الطرف الآخر، فقد تحدثت مع عدد من هذه العمالة، وأكد بعضهم أنهم يلجؤون فعلًا إلى طلب المال من المارة بسبب تأخر صرف رواتبهم، التي قالوا إنها قد تتأخر إلى أربعة أشهر، فضلًا عن تدني الأجور التي يتقاضونها، والتي لا تتجاوز في بعض الحالات 700 ريال، وهذه الإفادات، إن ثبتت لدى الجهات المختصة، تفتح جانبًا آخر من القضية لا يقل أهمية عن مسؤولية العامل، وهو مسؤولية شركات التشغيل التي تتولى التعاقد معهم وتشغيلهم، ومدى التزامها بصرف مستحقاتهم في مواعيدها النظامية، وضمان الأجور التي تكفل لهم حياة كريمة، فمحاسبة العامل على سلوك خاطئ لا ينبغي أن تعني إغفال مساءلة الجهة التي قد تكون ظروفها سببًا في دفعه إليه.

ومن الناحية النظامية، فإن المملكة العربية السعودية كانت واضحة وحازمة في موقفها من هذه الممارسات، فقد نص نظام مكافحة التسول على أن التسول هو استجداء المال من الغير بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بأي وسيلة كانت، وهذا التعريف النظامي يضع المسألة في إطارها الصحيح، فلا ينبغي أن يكون اختلاف طريقة طلب المال سببًا في تجاهل جوهر السلوك أو الغاية منه.

أما من الناحية الشرعية، فقد جاءت النصوص أكثر وضوحًا وحسمًا، فقد أكد سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله أن سؤال الناس الأموال لا يجوز إلا في حالات استثنائية محددة وردت في السنة النبوية، واستشهد بحديث النبي ﷺ: «لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة...»، ثم ختم الحديث بقوله: «فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتًا يأكلها صاحبها سحتًا»، كما بين رحمه الله أن من كان لديه ما يكفيه من راتب أو كسب أو عمل فلا تحل له المسألة ولا يجوز له سؤال الناس.

وعندما يقف شخص قادر على العمل ويتقاضى أجرًا شهريًا ليستدر عطف الناس ويجمع الأموال منهم عبر الإشارات والنظرات والانتظار المتعمد في أماكن التجمعات، فإن هذا السلوك يبتعد عن مفهوم الكسب المشروع، ويدخل في دائرة المسألة التي نهى عنها الشرع وحظرتها الأنظمة، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن من حُرم أجره أو تأخر راتبه أو لم يحصل على حقوقه كاملة، فله طرق نظامية للمطالبة بها، ولا ينبغي أن يصبح استغلال حاجة العامل أو تأخر أجره مبررًا لإبقائه في دائرة مخالفة أخرى.

كما أن المسؤولية لا تقع على العامل وحده، بل تمتد إلى الجهات والشركات المشغلة التي يفترض بها متابعة عمالتها والتأكد من وجودها في مواقع العمل التي استقدمت من أجلها، ومعرفة ما الذي يفعله العامل بعد انتهاء ساعات عمله، خصوصًا عندما يستخدم الزي الرسمي في ممارسة سلوك قد يسيء إلى جهة العمل وإلى صورة العمل النظامي أمام المجتمع، وهنا يأتي دور الجهات المختصة في التحقق من أوضاع هؤلاء العمال، ومراجعة عقود التشغيل، وانتظام صرف أجورهم، ومدى التزام الشركات المشغلة بحقوقهم وواجباتها تجاههم.

وفي المقابل، فإن المواطن والمقيم مطالبان كذلك بألا يجعلا حسن النية بديلًا عن التحقق، فالإحسان لا يعني بالضرورة إخراج المال لكل من يستدر العاطفة، وإنما يمكن توجيه الصدقة والمساعدة عبر القنوات النظامية والجمعيات الموثوقة التي تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، وبذلك يبقى الكرم السعودي في موضعه الصحيح بعيدًا عن الاستغلال.

إن الكرم السعودي قيمة عظيمة يجب أن تبقى مصونة من الاستغلال، والإحسان ينبغي أن يوجه إلى مستحقيه، أما التسول المقنّع بزيّ العمل، مهما تنوعت أساليبه واختلفت صوره، فإنه سلوك يضر بالمجتمع ويشوه مفهوم العمل الشريف ويستغل مشاعر الناس النبيلة لتحقيق مكاسب مالية لا تستند إلى حق ولا إلى حاجة مشروعة، وفي الوقت نفسه فإن حماية العامل من الظلم وتأخر الأجر وتدني المقابل المالي مسؤولية لا يجوز تجاهلها.

ومن هنا فإن هذه الظاهرة تستحق وقفة جادة من الجهات الرقابية والبلديات وشركات التشغيل، ليس حمايةً للنظام العام فحسب، بل حفاظ على كرامة العمل نفسه، وترسيخ لثقافة الإنتاج والالتزام، وضمان لحقوق العمال، ومنع لاستغلال طيبة المجتمع السعودي الذي عُرف بالعطاء، لكنه لم يكن يومًا بيئة تسمح بتحويل العاطفة الإنسانية إلى مورد مالي خارج إطار الحاجة المشروعة أو النظام.