يعيش الشعب اليمني منذ عقود مأساة متواصلة، تتداخل فيها عوامل التاريخ والسياسة والصراع القبلي والمذهبي والتنافس الإقليمي والدولي، حتى أصبح اليمن، رغم عراقة حضارته وموقعه الإستراتيجي وثرواته البشرية، من أكثر بلدان المنطقة تعرضًا للاضطراب والحروب والانقسامات.

وتعود جذور جانب من هذه المأساة إلى قرون طويلة من الصراعات على السلطة. خلال حكم الرئيس علي عبدالله صالح، أصبحت إدارة التوازنات بين القوى السياسية والقبلية والعسكرية جزءًا أساسيًا من آليات الحكم، حتى ظهرت حركة الحوثيين في محافظة صعدة في تسعينيات القرن الماضي، ثم تحولت تدريجيًا إلى قوة سياسية وعسكرية.

خاض الحوثيون خلال الفترة من 2004 إلى 2010م ستة حروب متتالية في محافظة صعدة والمناطق المحيطة بها، عُرفت باسم «حروب صعدة الستة». بدأت المواجهة الأولى عام 2004م، ثم توالت جولات القتال حتى الحرب السادسة عام 2009–2010م، التي اتسعت رقعتها بصورة كبيرة.


جاءت أحداث عام 2011م وما تبعها من اضطرابات سياسية لتوفر بيئة أكثر ملاءمة لهذا التوسع، حتى تمكن الحوثيون في سبتمبر 2014م من دخول صنعاء والسيطرة على مؤسسات الدولة، ثم توسعوا عسكريًا في مناطق واسعة من اليمن.

في هذه المرحلة دخل الصراع اليمني منعطفًا خطيرًا؛ إذ لم يعد الحوثيون مجرد حركة احتجاج أو تمرد محلي، بل أصبحوا سلطة مسلحة تنازع الدولة الشرعية سلطاتها، وانتهى التحالف الذي جمع الحوثيين بالرئيس الأسبق علي عبدالله صالح إلى انهيار دموي، عندما قُتل صالح في ديسمبر 2017م بعد أن أعلن فض شراكته مع الحوثيين.

منذ ذلك الوقت، أخذ الصراع اليمني بعدًا إقليميًا أكثر وضوحًا، وأصبحت العلاقة بين الحوثيين وإيران من أبرز عناصر المشهد السياسي والعسكري اليمني، في ظل ما أعلنته الحكومة اليمنية ودول إقليمية ودولية من اتهامات بتقديم طهران دعمًا عسكريًا وتقنيًا للحوثيين، الأمر الذي جعل اليمن جزءًا من صراعات إقليمية تتجاوز حدوده، وأثر بصورة مباشرة في أمن الخليج والبحر الأحمر والملاحة الدولية.

ولعل المؤلم في هذه المأساة أن قطاعات من النخب اليمنية السياسية والثقافية والقبلية والحزبية لم تدرك، في المراحل الأولى، خطورة تحول الحركة الحوثية من حركة احتجاج محلية إلى قوة عسكرية تسعى إلى السيطرة على مؤسسات الدولة وفرض رؤيتها السياسية بقوة السلاح. ومع اتساع نفوذ الحوثيين، أصبح واضحًا أن المشكلة لم تعد مجرد خلاف سياسي يمني داخلي، وإنما أصبحت مرتبطة بمستقبل الدولة اليمنية وسيادتها ووحدة أراضيها وبأمن الإقليم كله.

في هذا السياق، تبرز المواقف السعودية تجاه اليمن بوصفها امتدادًا لعلاقة تاريخية وجغرافية وإنسانية عميقة بين الشعبين. فقد أكدت المملكة بصورة متكررة تمسكها بسيادة اليمن ووحدته واستقلاله وسلامة أراضيه، ودعمها للحكومة اليمنية الشرعية، كما دعمت المسارات السياسية الهادفة إلى إنهاء الحرب والوصول إلى حل شامل ومستدام.

لم يقتصر الدعم السعودي على الجانب السياسي والدبلوماسي والعسكري، بل امتد بصورة واسعة إلى الجانب الإنساني والاقتصادي والتنموي. فقد اضطلع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية بدور كبير في تقديم المساعدات للشعب اليمني في مجالات الغذاء والصحة والإيواء والتعليم والمياه وغيرها، كما قدمت المملكة دعمًا اقتصاديًا وتنمويًا للحكومة اليمنية وأسهمت في دعم الخدمات الأساسية والاقتصاد اليمني.

كما أن العلاقة الإنسانية بين الشعبين تتجاوز المساعدات الرسمية؛ فقد ظلت المملكة على مدى عقود تستضيف أعدادًا كبيرة من اليمنيين الذين يعملون ويعيشون في مدنها ومناطقها، وأسهم وجودهم في المملكة في توفير مصدر رزق لملايين الأسر اليمنية بصورة مباشرة وغير مباشرة، وهو جانب إنساني واقتصادي مهم، كثيرًا ما يغيب عن بعض القراءات السياسية للأزمة اليمنية.

من هنا يصعب اختزال الموقف السعودي تجاه اليمن في البعد العسكري وحده؛ فالمملكة ترى أن أمنها الوطني يرتبط باستقرار اليمن، وأن مصلحة الشعب اليمني تكمن في وجود دولة يمنية موحدة وقادرة على إدارة شؤونها ومؤسساتها، بعيدًا عن هيمنة الميليشيات أو تحويل أراضيها إلى ساحة صراع بالوكالة.

أما التطورات العسكرية الأخيرة، فقد أعادت اليمن إلى واجهة الأحداث بصورة خطيرة، ولا سيما في الساحل الغربي ومحافظتي تعز والحديدة والمناطق القريبة من باب المندب.

وتكتسب منطقة الساحل الغربي أهمية خاصة بسبب قربها من البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ولذلك فإن أي محاولة للسيطرة على هذه المنطقة لا يمكن النظر إليها باعتبارها شأنًا يمنيًا محليًا فقط، بل ينبغي فهمها في إطار أمن الملاحة الدولية والتنافس الإقليمي على النفوذ في البحر الأحمر.

ويعيد ذلك إلى الذاكرة معركة الحديدة عام 2018م، عندما اقتربت القوات الحكومية المدعومة من التحالف من تحرير المدينة ومينائها، قبل أن تتوقف العمليات العسكرية في إطار الضغوط السياسية والدبلوماسية التي انتهت باتفاق ستوكهولم. ومنذ ذلك الوقت ظلت الحديدة واحدة من أهم أوراق القوة التي يمتلكها الحوثيون، بسبب موقعها الإستراتيجي وصلتها بالبحر الأحمر وبمناطق واسعة من شمال وغرب اليمن.

ومن المؤسف أن المجتمع الدولي، رغم الجهود التي بذلتها الأمم المتحدة للوصول إلى حل سياسي، لم يتمكن حتى الآن من الوصول إلى تسوية تنهي أسباب الصراع بصورة نهائية. فالسلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على تجميد خطوط القتال إلى أجل غير مسمى، وإنما يحتاج إلى معالجة جذور المشكلة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنهاء حالة تعدد مراكز القوة والسلاح، وضمان أن تكون الدولة وحدها صاحبة الحق في استخدام القوة.

كما أن التعامل مع الأزمة اليمنية يتطلب قدرًا أكبر من الوضوح في تحديد مسؤولية الأطراف عن استمرار الحرب والانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون، لأن المساواة بين الدولة ومؤسساتها من جهة، والميليشيات المسلحة الخارجة عن مؤسسات الدولة من جهة أخرى، قد تؤدي في بعض الأحيان إلى معالجة الأعراض بدلًا من معالجة أصل المشكلة.

اليمن اليوم يقف أمام مفترق تاريخي؛ فإما أن تؤدي التطورات الحالية إلى إعادة توحيد القوى المناوئة للحوثيين تحت قيادة سياسية وعسكرية أكثر انسجامًا، تمهيدًا لاستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وإما أن تستمر حالة الانقسام بما يسمح بتحول اليمن إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية.

وفي كل الأحوال، يجب ألا يغيب عن الجميع أن الضحية الأولى والأخيرة هي الشعب اليمني. فهذا الشعب العريق لا يستحق أن يبقى رهينة للصراعات السياسية والمذهبية والقبلية، ولا أن تتحول أرضه إلى ميدان لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا أن يدفع أطفاله وشبابه ثمنًا لصراعات لم يختاروها.

مستقبل اليمن لا يمكن أن يبنى إلا بدولة يمنية موحدة، ذات سيادة ومؤسسات وطنية وجيش وأجهزة أمنية موحدة، ونظام سياسي يستوعب جميع اليمنيين، ويمنع استخدام السلاح لفرض الإرادة السياسية، ويحافظ على علاقات اليمن العربية والإقليمية بعيدًا عن مشاريع الهيمنة والتبعية.

وفي هذا الإطار، فإن الدعم السعودي لليمن لا ينبغي أن يُنظر إليه من زاوية الحرب وحدها، بل باعتباره موقفًا يرتبط بأمن المملكة من جهة، وبالعلاقات التاريخية والإنسانية بين الشعبين من جهة أخرى؛ وهو دعم شمل السياسة والدبلوماسية والاقتصاد والتنمية والإغاثة والعمل الإنساني، إلى جانب الدعم العسكري للحكومة اليمنية في مواجهة التهديدات التي تستهدف الدولة وأمن المنطقة.

ويبقى الأمل أن تكون التطورات الراهنة بداية مرحلة جديدة يستعيد فيها اليمن دولته ومؤسساته ووحدته، وأن ينتقل من مرحلة الحرب إلى مرحلة إعادة البناء والتنمية، وأن يتوقف نزيف شعبه الذي طال أكثر مما ينبغي.

اليمن ليس مجرد ساحة حرب، بل وطن عريق وشعب أصيل يستحق أن يعيش آمنًا مستقرًا، وأن يمتلك دولته وقراره ومستقبله.

وتلك هي القضية الحقيقية: إنقاذ اليمن، والحفاظ على وحدته، وإعادة الدولة إلى الشعب اليمني، لا إبقاؤه شعبًا أسيرًا لحروب تتجدد جيلًا بعد جيل.