البيت ليس مجرد جدران وأثاث وفواتير تنتظر نهاية الشهر، بل هو مملكة صغيرة، تحتاج إلى قدر من المحبة والاحترام وحسن الإدارة حتى يعيش أفرادها في طمأنينة وسعادة.

ومن أجمل ما نشاهده في بعض الأسر أن الزوجة تحرص على مكانة زوجها في أعين أبنائه، فلا تسمح بأن تتحول عودته من العمل إلى جلسة تحقيق، ولا إلى مؤتمر صحفي عاجل عن أخطاء السنوات الماضية!

تقول لأبنائها: «أبوكم جاء من العمل، استقبلوا أبوكم، ابتسموا له، وسلموا عليه، وخففوا عنه تعب يومه».


فيرتب الأبناء أنفسهم، ويتعلمون أن للأب مكانة، وأن التعب الذي يحمله خلفه من العمل يستحق كلمة طيبة وابتسامة جميلة، لا قائمة مطالب تبدأ بـ«أبي أبي» وتنتهي بفاتورة لا يعرف الأب من أين جاءت!

والزوجة الحكيمة لا تطلب من أبنائها الاحترام فقط، بل تكون هي أول من يمارسه. تستقبل زوجها بالكلمة الطيبة، وتهتم بنفسها وبيتها، وتزرع في الأسرة جوًا من المودة والرحمة. وهنا لا نتحدث عن حياة مثالية تشبه المسلسلات، فحتى أفضل البيوت قد يختلف أهلها على جهاز التحكم في التلفاز، ولكن الفرق في طريقة إدارة الاختلاف واحترام بعضهم بعضًا.

هذه الزوجة ترفع من قدر زوجها، وفي الوقت نفسه ترفع قدر نفسها، لأنها تبني بيتًا يعرف الأبناء فيه معنى الاحترام والتقدير. وحين يرى الأب أبناءه يستقبلونه بمحبة، وزوجته تقدّر تعبه، فإنه غالبًا سيجد في نفسه دافعًا أكبر للعطاء والحنان والاهتمام.

وفي المقابل، هناك صورة مؤلمة حين تتحول بعض البيوت إلى ساحة انتقاص من الأب أمام أبنائه. قد يكون الرجل قد أمضى يومه بين العمل والمسؤوليات والالتزامات، وربما يحمل ديونًا وهمومًا لا يعلم عنها أحد، ثم يعود ليجد كلمات التوبيخ والتهكم تنتظره عند الباب!

«أنت السبب!»

«أنت الذي فقّرتنا!»

«ماذا فعلت لنا؟»

وتقال هذه الكلمات أمام الأبناء، مرة بعد مرة، حتى يصبح الأب في نظرهم مادة للسخرية بدلًا من أن يكون قدوة ومصدرًا للأمان.

ولا يعني هذا أبدًا أن الزوج معصوم من الخطأ، ولا أن الزوجة مطالبة بالصمت عن حقوقها أو مشكلاتها؛ فالاحترام ليس معناه إلغاء الشخصية، والحياة الزوجية ليست برنامجًا رسميًا يمنع فيه النقاش! ولكن الفرق كبير بين الحوار داخل البيت، وبين تحطيم صورة أحد الوالدين أمام الأبناء.

فكما أن الزوجة لا تقبل أن يقلل الزوج من شأنها أمام أبنائها، كذلك الأب لا يستحق أن تُهدم مكانته أمامهم. فالاحترام المتبادل هو الحصن الحقيقي للأسرة.

الأبناء يتعلمون منا أكثر مما يتعلمون من النصائح. فإذا رأوا أمهم تحترم والدهم، تعلموا احترامه، وإذا رأوا والدهم يقدّر أمهم، تعلموا تقدير المرأة. وهكذا تنتقل الأخلاق الجميلة من جيل إلى جيل، دون الحاجة إلى محاضرة طويلة قد ينام أحد الأبناء في منتصفها!

الدين قبل كل شيء دعا إلى حسن المعاملة، وجعل الكلمة الطيبة بابًا من أبواب الخير، فليس من الحكمة أن نطالب أبناءنا بالأخلاق ونحن نهدم أمامهم معاني الاحترام كل يوم.

أيها الآباء والأمهات، اختلفوا كما تشاؤون، وتحاوروا كما تريدون، ولكن لا تجعلوا الأبناء شهودًا على تحطيم بعضكم بعضًا. حافظوا على مكانة الأب، كما حافظوا على مكانة الأم، فالأب لا يحتاج إلى لقب رسمي داخل المنزل ليكون له احترامه، ولا الأم تحتاج إلى رفع صوتها لتثبت قيمتها.

البيت الذي يُبنى على الاحترام لا يعني أنه خالٍ من المشكلات، ولكنه بيت يعرف أهله كيف يختلفون دون أن يكسروا قلوب بعضهم أو هيبة بعضهم.

فحتى لا تنكسر الهيبة... اجعلوا في بيوتكم كلمة طيبة، وابتسامة عند اللقاء، واحترامًا في الغياب والحضور.

فالهيبة الحقيقية لا تصنعها الصرامة ولا ارتفاع الصوت، وإنما يصنعها الحب، والاحترام، وحسن المعاملة.

وما أجمل أن يعود الأب إلى بيته فيجد من يقول:

«الحمد لله على السلامة يا أبوي» بدلًا من أن يجد لجنة استقبال تبدأ الاجتماع قبل أن يخلع حذاءه!

فالبيوت الجميلة لا تحتاج إلى الكثير من المال... بقدر حاجتها إلى الكثير من المودة والرحمة والاحترام.