هكذا كانت بيوت الماضي في بعض ملامحها، فرغم بساطتها إلا أنها كانت دافئة بالتواد والرفق، وهذا ما أشار إليه في مسامراته القامة التربوية، أحد وجهاء المجتمع الأبهاوي «محمد بن عايض بن سرحان»، وهو يسترجع أرشيف ثمانية عقود وأكثر عاشها بين أحياء مدينة أبها، التي سار على دروبها، وعاصر مجتمعها، والتقى في شبابه بمعمرين استمع إلى حكاياتهم.
ولعل تجربته التعليمية التي نذر لها زهرة عمره مُعلِمًا ومديرًا ومسؤولًا جعلته أكثر قُربًا من نبض هذه المدينة الوادعة.
ووسط أجواء مسائية أسبوعية تراثية جميلة تنظمها ساقية الفنون بأبها بإشراف الفنان التشكيلي عبدالله شاهر عسيري، وحضور كوكبة من الزوار يتجلى «أبونبيل» في سرد الذكريات بدقة، فيغوص داخل التفاصيل، ويُفاجئ الجميع بمعلومات لها قيمتها التاريخية والتراثية.
وفي هذا المقال اقّتطفّ أضمومةً جميلةً من حديثه عن النسيج الأُسري الذي كان داخل البيوت في أبها والقرى المجاورة، إذ يؤكد على أنها كانت واحة حقيقية للراحة النفسية، نتيجة حرص سيدة البيت بفطرتها النقية وتربيتها السليمة على تحقيق السعادة، وإشعال جذوتها.
وقال: يزين مدخل البيت على الجانبين بأحواض صغيرة، ومتوسطة من النباتات العطرية ذات الروائح النفاذة، ومنها الريحان، البرك، الوزاب، الحبق، وباقات متنوعة من الزهور.
وأضاف: ترتدي الزوجة عند قيامها بأعمال المنزل ثوبًا يُسمى «البِدّلَة»، وحين تقترب عودة زوجها تسارع إلى ارتداء أجمل ثيابها، ويُطلق عليه «الصون»، وتبادره أثناء دخوله الدار بعبارة مغلفة بابتسامة رقيقة «الله يطعني عنك عسى ما تعبت»، ليتجه للجلوس والسمرة وتناول طعام العشاء في غرفة تتكون من «صلل» تنبعث منه رائحة بخور «البرنكية» أو الجاوي، وعلى جوانبه دلة القهوة، براد الشاي، إبريق الزنجبيل أو النعناع، وسلة مستديرة مصنوعة من الخوص تُسمى «مطرح» عليها حفنة من الزبيب والتمر، فيما تتوسط المكان «الجونة» بداخلها أقراص الخبز من البر أو الذرة والشعير.
وقال: يدور الحديث بين أفراد الأسرة عن مشاهدات يوم حافل من العمل، ويتناقلون الأخبار التي سمعوها من الأصدقاء والجيران، أغلبها عن الزراعة، الأمطار، الأفراح، الأتراح، وحكايات طريفة ومضحكة تمنح النفوس حقولًا خضراء من الطموحات والعزيمة للتغلب على متاعب الحياة.
تقول الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي: «ليس البيت بأثاثه ولا بجدرانه، بل يصنع جماله من يقاسموننا الإقامة فيه».
وقفة:
للشاعر الشعبي الجميل حسين هبيش «أبوطه»
«والله لاشرحة الخاطر
مثل لاجيت من امقفرة..
وأنا في حاجة امقهوة
والدوا ذا يقهويني
لابس امصون لاامبدله».