في الحادي والعشرين من ربيع الأول 1448هـ فقدت مدينة حريملاء رجلًا من رجالاتها وعلمًا خطيبًا جهبذا من أعلامها وجهابذتها، وهو الشيخ ناصر بن محمد بن عبدالرحمن الخريّف، أسبغ اللهُ عليه عظيمّ عفوه، ورفعه إلى عالي درجته. والحديث عن ناصر الخريف ليس بالسهل، فكل حياته مليئةٌ بالعطاء والحب والوفاء ممزوجةٌ بالشجاعةِ والإباء. دأب طوال عمره على بذل المعروف، فكان نعم الرجل الصالح. إن رأيتَه فأنت ترى رجلًا مهيبًا محبوبًا كريمًا، اتسم بسمو الشمائل وارتفع عن الدنو من الرذائل، أهدافُه كلُّها كانت ساميةً. ملأ الدنيا بزهر الفضيلة من الدعوة إلى الله، وتقديم العون وصلة الأرحام. كان يقطع البيد ليطرق باب صلة الأرحام راجيًا فيما عند ربه. نعاه الناعون في جميع أصقاع المعمورة، ومن أولئك «جمعية أصدقاء المرضى» إذ كان أحد مؤسسيها، وأشادت الجمعية بأياديه البيضاء وبصمته الواضحة وغيرها من الجمعيات الأخرى.

عرفتُ الشيخ ناصر الخريف عن قرب، وكان لي الشرف أن حظيتُ بزيارته في بيته بحي الربيع بالرياض، حيث كان مجلسه مقصدًا للزائرين فلا تجد إلا سعة البال وكرم المال وطيب الخاطر، خفيف الظل، ذو بشاشة، طلق المحيّا، رحمك الله أبا محمد فلقد كنت نادرًا من النادرين، وتذكرت فيه قول الشاعر:

سما لأعلى رتبة فاحتلها **وبرج الشمس أعلى الأبرج


من أعماله، رحمه الله، إشرافه في الإدارة العامة للتوعية الإسلامية بوزارة التعليم سابقًا، وكان مديرًا لمدرسة «عاصم» لتحفيظ القرآن الكريم، وإمامًا لأحد المساجد بالرياض، وكان فيما مضى أحد الخطباء في أحد جوامع حريملاء. ظل طيلة عمره واعظًا، ناصحًا رحمه الله، يقول عنه علي بن أحمد الشدي: كان من أهل الخير والداعين إليه ومن المشاركين في الأعمال التطوعية، عرفته عن قرب في اللجنة الأهلية لمحافظة حريملاء وفي هيئة الإشراف على جائزة حريملاء للتفوق، حيث عرف بالرأي الواضح والصريح والإخلاص في خدمة الدين ثم الوطن والمواطن...

رثاه أبو خالد – ابن أخته – بقصيدةٍ:

لعمرك ما الأيام إلا رواحلٌ ** وما المرء فيها غيرُ عبدٍ مصارعُ

مضى «ناصر» عنّا وخلّف لوعة ** وكل امرئ يوما به الدهر فاجعُ

أقام على التقوى مسيرة عُمره ** فما غره زيف ولا هو جازعُ

وإن غاب عنا شخصه فثناؤه ** بألسن أهل الخير باقٍ وساطعُ

تراهُ إذا ما جِئته متهللًا ** كأنك تعطيه الذي هو دافعُ

صبورًا أراه في زمن ابتلائه ** وإن قضاء الله في الخلق واقعُ

وما المال والأهلون إلا وديعة ** ولا بدّ يومًا أن ترد الودائعُ

تولّى فما ماتت محاسنُ فِعلهِ ** ولا مات من تبكي عليه الصنائعُ

وقال في الشاعر نواف بن أحمد السرّاء من الدمام مطلعها:

لم ألقكم لكن بكم أنا موجعُ ** وجع المفارق للحبيب يوادعه

الجرح ذات الجرح بل ذات الشجا **ذات التوجد نزعه ومواجعه

إلى آخر ما قال..

وهذه الأبيات وصلتني وأنا أكتب مقالي بعنوان: المتحابون في جلالي على منابر من نور يوم القيامة.. إذ تجلّت فيها حقيقة أن المتحابّين في الله لا تحكمهم جغرافيا اللقاء، بل تتلاقى أرواحهم على ضفاف المحبة الإلهية، في رحابٍ طاهرة تجردت من حظوظ النفس ومصالح الدنيا الفانية.

عزائي لذوي الفقيد ومحبيه.