وهذا بالضبط هو جوهر التراجيديا اليمنية اليوم، حيث لا تبكي الجغرافيا وحدها، بل يبكي الإنسان الذي أثقله الخراب. وعلى عتبات هذا التاريخ الحزين، لا نرى وطنًا يُحكم، بل روح تُصلب على جدار الكهنوت. فحين هبط الحوثيون من عتمة الكهوف، لم يكونوا يحملون في أيديهم سوى معاول الهدم؛ أرادوا أن يقتلعوا اليمني من جذوره العميقة في تربة الحكمة والإيمان، ليغرسوه في رماد الطاعة. أدركوا أن الإنسان الذي تنفس رائحة البن في المخا، واستنشق شموخ ناطحات شبام الطينية، وتلبس بلباس التبع اليماني الذي كان يكسو الكعبة المشرفة، لن ينحني لخطاب الاستعباد السلالي.
لذلك، لم تكن طلقاتهم الأولى في ساحات الحرب، بل في براءة الأطفال وبين طيات الدفاتر المدرسية؛ حيث عمدوا إلى تجريف الذاكرة ووأد السؤال، كي يشبّ جيل لا يعرف من المجد سوى أصوات الموت، ومن الجغرافيا سوى خنادق القتال. وهكذا زرعوا اللغم في عقل الطفل قبل أن يزرعوه في الطريق، لأنهم يريدون شعبًا جديدًا يصنعونه على أعينهم، يولد في الكهف ويتربى على الطاعة، لا على الشورى التي خلدها القرآن يوم قالت ملكة سبأ لملئها: «ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون». من هذا المنطلق، الحوثيون لم يحكموا اليمن، بل احتجزوه. جعلوا من كل بيت زنزانة، ومن كل رغيف ثمنه صمتا، ومن كل ابتسامة تهمة. زرعوا في الأرض موتًا، وفي المدرسة كرهًا، وفي المسجد تطرفًا، وفي قلوب الناس رعبًا. وهذا ما يفسر الدور السعودي نفسه بنفسه، فالسياسة بلا اصطلاحات تقول إن الجار لا يترك الحريق في بيت جاره حتى يصل لسقفه فهذا ليس شأنًا داخليًا، بل تهديد للوجود، والسكوت حينها ليس حكمة بل انتحار. وتدخلت المملكة ولم تتدخل المملكة لتضم أرضًا ولا لتأخذ بحرًا، فمن يملك الصحراء لا يطمع في الجبل. تدخلت لأنها رأت ظلمة الكهف تتمدد، رأت الركام يزحف نحو بابها. ورأت أن طريق البخور الذي كان يحمل العطر للعالم، صار يحمل البارود إلى جازان ونجران وأبها.
بل صار يحمل فكرة أخطر من البارود نفسه: أن يصبح جارك ليس جارًا، بل حارس لعدوك، وأن تتحول بلاده إلى سوق سوداء يباع فيها كل شيء، من أمن البحر الأحمر إلى لقمة الطفل. عندها لا يكون الصمت حكمة، بل تواطؤًا مع الخراب. والخراب في فلسفة التاريخ ليس نقيض العمران، بل مخاضه.
وابن خلدون علمنا أن الدول تولد بالعصبية وتزدهر بها، ثم تموت حين تتحول العصبية من رابطة جامعة إلى نسب يُقدّس، ومن قوةٍ تحمي إلى سلالةٍ تحتكر. والحوثي هو هذه اللحظة تمامًا، لحظة احتضار الدولة وتحولها إلى عدم. ما بعد هذه اللحظة ليس فراغًا، ما بعدها بداية دورة جديدة. فالأرض التي احتملت كل هذا الهدم، لم تحتمله لأنها ضعيفة، بل لأن في جوفها ما يستحق أن يبقى فالكهوف مهما توغلت في العتمة، تظل عاجزة عن حجب الفجر حين يعزم على الطلوع.