هناك كلمات تأتي إلى القلب في اللحظة التي يوشك فيها على الانطفاء، فلا تحدث ضجيجًا، ولا تطلب مقابلًا، لكنها تضع في الروح نافذةً صغيرة يدخل منها الضوء. كلمة واحدة قد تقول لإنسان متعب: «أنا أراك»، فتشعره للمرة الأولى أن تعبه لم يذهب سدى، وقد تقول لآخر: «أنت تستطيع»، فتمنحه شجاعة لم يكن يعرف أنها ما زالت مختبئة في داخله. ولعل أجمل ما يفعله الإنسان في حياة إنسان آخر أن يمنحه كلمةً تشبه اليد التي تسنده، ثم يتركه يمضي؛ لأن الله وحده يعلم أين يريد أن يصل به، وكيف يفتح له أبوابًا لم تخطر له على بال.

وما ألطف حفظ الله حين يأتي جبره من حيث لا نحتسب؛ كلمةٌ في وقتها، وقلبٌ رحيم، وسببٌ صغير يرسله الله لعبده، ليقول له بلطفٍ لا يحتاج إلى ضجيج: ما زالت الرحمة حولك.

هل جرّبت يومًا أن تضع أذنك على قلب إنسان بعد أن يسمع كلمة حب؟ ربما لن تسمع الموسيقى التي يتحدث عنها الشعراء، لكنك سترى شيئًا آخر: وجهًا يتغير، وملامح تستعيد هدوءها، وعينين كانتا مثقلتين فتلمعان قليلًا. الإنسان كائن عجيب؛ قد تهزمه جملة، وقد تنقذه جملة، وبين الجملتين مسافة لا تتجاوز لحظة واحدة يقرر فيها اللسان: هل سيكون هذا الصوت جرحًا أم جبراً؟


نستخدم الكلمات كل يوم حتى فقدنا الإحساس بعظمتها. نقول «صباح الخير» عشرات المرات دون أن نتساءل: هل كان صباح ذلك الإنسان خيرًا فعلًا؟ ونقول «الله يعينك» ثم نمضي، وربما كان الآخر يحتاج إلى أن يسمعها منك أنت تحديدًا. ونقول «لا تشيل هم» بسهولة، بينما قد يكون الذي أمامنا يحمل جبلًا من الهموم ولا يعرف كيف يضعه.

الكلمة ليست هواءً يخرج من الفم ثم يختفي. إنها أثر. قد تدخل أذن إنسان، ثم تستقر في ذاكرته، ثم تعود إليه بعد سنوات في موقف لم تتوقعه أنت أصلًا. ولهذا كان الإسلام شديد العناية باللسان، لأن الله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى الكلمات باعتبارها أصواتًا عابرة، بل إلى ما تحمله من خير أو أذى. يقول تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾.

ثم يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيختصر لنا فلسفة إنسانية كاملة في كلمات قليلة: «والكلمة الطيبة صدقة».

يا لها من رحمة! حتى الإنسان الذي لا يملك مالًا يستطيع أن يتصدق. وحتى من لا يملك منصبًا يستطيع أن ينفع. وحتى من لا يستطيع تغيير حياة إنسان بأكملها، يستطيع أن يغيّر يومه بكلمة.

في سيرة الصحابة موقف يختصر المسافة بين الكلمة والقلب. عندما نزلت توبة الله على كعب بن مالك، رضي الله عنه، بعد محنته في قصة تخلّفه عن غزوة تبوك، جاء إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكان من أول ما سمعه منه: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك». تأمل كلمة «أبشر». لم تكن مالًا، ولا بيتًا، ولا منصبًا، لكنها جاءت إلى قلب عاش ثقلًا شديدًا، فكانت بداية فرح عظيم. الكلمة أحيانًا لا تحمل شيئًا في يدها، لكنها تحمل الكثير في معناها.

وهنا تكمن المفارقة العجيبة: نحن نبحث عن وسائل ضخمة لإسعاد الناس، بينما قد يكون بعضهم محتاجًا إلى جملة واحدة فقط.

«أنا أثق بك».

«أنت أفضل مما تظن».

«لا تستسلم».

«خطؤك لا يعني أنك فاشل».

«سيعوضك الله خيرًا».

جمل قصيرة، لكنها قد تعيد ترتيب غرفة كاملة داخل الإنسان.

وفي المقابل، هناك من يملك موهبة غريبة في صناعة الحطام. يجلس معك خمس دقائق، ثم يترك وراءه عشر سنوات من الشك في نفسك! يقول لك: «لن تنجح»، «أنت لا تصلح»، «غيرك أفضل منك»، ثم يعود إلى منزله وكأن شيئًا لم يحدث.

بعض الناس يتعاملون مع قلوب الآخرين وكأنها لوحة تجارب! يضغط هنا ليرى ماذا يحدث، ويجرح هناك ليتأكد من مقدار التحمل، ثم يستغرب لماذا لم يعد أحد يفتح له قلبه.

إننا لا نعرف المعارك التي يخوضها الناس في داخلهم. قد ترى شخصًا يضحك، ولا تعرف كم مرة اضطر إلى إقناع نفسه بأن يستمر. وقد ترى إنسانًا قويًا، ولا تعرف كم مرة سقط وحده ثم نهض. لذلك لا تكن قاسيًا في الحكم على الآخرين؛ فأنت ترى الصفحة، والله وحده يعلم الكتاب كله.