ليس من الإنصاف أن يُنظر إلى الاستشراق بعينٍ واحدة؛ فليس كل ما كُتب عن الإسلام في الغرب سواء، كما أن تاريخ الاستشراق لم يكن صفحةً واحدةً من الخصومة، ولا سجلًّا خالصًا من الإنصاف. لقد كان في الاستشراق نزوعٌ استعماريٌّ في بعض مراحله، وتحاملٌ في بعض أعماله، وتأثرٌ أحيانًا بصورة الشرق التي صنعتها السياسة والخيال الأوروبي؛ لكنه، في المقابل، أوجد مدرسةً واسعةً في دراسة الإسلام واللغة العربية والتراث الإسلامي، أسهمت ــ بقصدٍ أو بغير قصد ــ في إعادة لفت الأنظار إلى كنوزٍ علمية كان بعضها حبيس الرفوف والخزائن.

ولعل المفارقة الجديرة بالتأمل أن التراث الإسلامي، الذي كان يومًا مصدرًا من مصادر المعرفة في أوروبا، عاد في عصورٍ متأخرة ليكون موضوعًا لبحث علماء غربيين أفادوا من مناهج النقد والفهرسة والتحقيق والتاريخ المقارن. ولم تكن قيمة هذا العمل في كل نتائجه، بل في أنه دفع إلى طرح أسئلة جديدة حول النصوص، ومصادرها، وتواريخها، وطرق انتقالها، وعلاقات بعضها ببعض.

لقد استفاد الفكر الإسلامي الحديث من المستشرقين في إحياء المخطوطات وفهرستها وتحقيق بعض النصوص ونشرها. فقد ساعد اهتمام الباحثين الغربيين بالمخطوط العربي على إخراج عدد من المؤلفات من دائرة التداول المحدود إلى فضاء البحث الأكاديمي. وهذه الخدمة، وإن لم تكن غايتها دائمًا خدمة الثقافة الإسلامية، أصبحت في نهاية المطاف جزءًا من الحركة العلمية التي انتفع بها الباحث المسلم نفسه.


كما استفاد من بعضهم في تطوير أدوات البحث التاريخي والنقد النصي. فالباحث المسلم لم يعد مضطرًا إلى الاكتفاء بسؤال: «ماذا قال المؤلف؟»، بل أصبح قادرًا ــ مع الاستفادة من المناهج الحديثة ــ على أن يسأل أيضًا: ما مصدر هذا النص؟ وما طبقاته؟ وكيف وصل إلينا؟ وما صلته بغيره من النصوص؟ ومتى ظهر؟ وما السياق العلمي والسياسي والاجتماعي الذي نشأ فيه؟

وهنا ينبغي التفريق بين المنهج والنتيجة؛ فالمنهج أداة، والأداة لا تصبح باطلة لأن بعض من استعملها أخطأ في النتيجة. فإذا استخدم الباحث المسلم أدوات التحقيق التاريخي واللغوي والنقد المقارن، ثم أخضع نتائجها لأصول العلم الإسلامي وقواعده، فإنه لا يكون تابعًا للغرب، وإنما يكون قد أخذ من المعرفة الإنسانية ما يعينه على خدمة تراثه.

ومن أوجه الإفادة كذلك أن بعض المستشرقين أعادوا تعريف الباحث المسلم بقيمة جوانب من تراثه العلمي. فقد يمر الإنسان على كنزه كل يوم فلا يراه، حتى يأتي غريب فيشير إلى موضع الجوهرة. وليس في ذلك ما يوجب أن يكون الغريب أفقه بالكنز من صاحبه؛ وإنما قد تكون المسافة سببًا في رؤية زاوية غابت عن صاحبها لطول المعاشرة.

وقد أسهم الاستشراق أيضًا في إثارة أسئلة نقدية داخل الفكر الإسلامي نفسه. فحين ناقش بعض المستشرقين قضايا تتصل بالسيرة والحديث والفقه والتاريخ الإسلامي، لم يكن أثر تلك المناقشات محصورًا في قبولها أو ردها، بل حملت الباحثين المسلمين على إعادة فحص بعض المسائل، وتمحيص الأدلة، وتحرير المصطلحات، والدفاع عن التراث بأدوات علمية أكثر دقة. ومن هنا كان الخصم العلمي ــ حين يكون منضبطًا ــ قد يكون باعثًا على يقظة الفكر، كما أن السؤال الصعب قد يكون أنفع للعلم من الجواب السهل.

لكن الخطر يبدأ حين يتحول الانتفاع إلى تبعية، وحين يصبح الباحث المسلم أسيرًا للمناهج المستوردة، فيتعامل معها بوصفها حقائق مقدسة لا أدوات قابلة للنقد والمراجعة. فكما أن من الخطأ أن نرفض كتابًا لمجرد أن مؤلفه غربي، فمن الخطأ أيضًا أن نقبله لمجرد أنه صادر عن جامعة غربية أو كُتب بلغة أجنبية.

التراث الإسلامي لا يحتاج إلى عقلٍ يصفق له، ولا إلى عقلٍ يهدمه؛ وإنما يحتاج إلى عقلٍ يقرأه. يحتاج إلى باحث يعرف كيف يفرق بين التقديس الذي يمنع السؤال، والتمجيد الذي يمنع النقد، والنقد الذي يمنع الإنصاف. فالتراث ليس صنمًا يُعبد، ولا جثةً تُشرح، وإنما هو تاريخ حيٌّ من الأفكار والاجتهادات والنصوص، يُقرأ بعين الاحترام، ويُفحص بأدوات العلم.

ومن هنا فإن أفضل استفادة من الاستشراق ليست أن نتبنى رؤيته للإسلام، وإنما أن نستفيد من أسئلته وأدواته وما أنجزه في خدمة النصوص، ثم نعيد قراءة تراثنا من داخل منظومته العلمية والحضارية. فالمعرفة الإنسانية ليست ملكًا لجغرافيا، والمنهج الصحيح لا يحمل جنسية، والكتاب لا يصبح أكثر صوابًا لأن مؤلفه من الشرق، ولا أقل صوابًا لأن مؤلفه من الغرب.

وفي نهاية المطاف، ربما كانت أعظم فائدة قدمها الاستشراق للفكر الإسلامي أنه أجبره ــ في بعض المواضع ــ على أن ينظر إلى نفسه من خارج المرآة التي اعتادها؛ وأن يكتشف أن التراث الذي ألفه أهله حتى كاد بعضهم لا يراه، قد يصبح موضوعًا لاهتمام العالم كله.

والحضارة الواثقة لا تخاف من أن يقرأها الآخرون؛ لأنها تعرف أن قوة الفكرة لا تكون في أن تُحجب عن النقد، وإنما في أن تستطيع أن تعبر امتحان النقد دون أن تفقد حقيقتها. إنما الخطر كل الخطر أن نستعير عيون الآخرين لنرى بها أنفسنا، ثم ننسى أن لنا عيونًا، ولنا عقلًا، ولنا تاريخًا من النقد والتمحيص أقدم من كثير من المناهج التي جاءت إلينا في ثياب الحداثة.

فليس المطلوب أن نرفض الاستشراق، ولا أن نسجد له؛ وإنما أن نضعه في موضعه الصحيح: مادةً للدرس، وميدانًا للنقد، ومصدرًا للاستفادة، لا مرجعيةً نهائيةً لفهم الإسلام.