أستحضر اليوم بداياتي الأولى حين تم تعييني معلمة في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز ـ رحمه الله وغفر له؛ ذلك العهد الذي اتسم بالتوسع الأفقي للتعليم، وتأسيس القواعد التحتية الكبرى للمدارس والجامعات. في تلك المرحلة، كنا نتسلح بأدوات بسيطة: سبورة سوداء، طباشير أبيض، وشغف لا ينضب. كان الرأي السائد آنذاك يرى في تعليم المرأة خطوة لتمكينها كعنصر استقرار في الأسرة والمجتمع؛ وكانت الطموحات، على نبلها، محكومةً بسقوف محددة تفرضها طبيعة المرحلة.
بين تلك البدايات وبين واقعنا اليوم في عام 2026، عاصرتُ كمربية أولًا، وكقائدة تربوية تدرجت في الإدارة ثانيًا، تحولًا جذريًا في المفهوم الفلسفي للتعليم في بلادنا. فلم يعد التعليم مجرد محو للأمية أو تلقين للمناهج، بل تحول في ظل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وعرّاب الرؤية الأمير محمد بن سلمان ـ حفظهما الله ـ إلى ركيزة أساسية للاستثمار في رأس المال البشري.
من هذا الموقع، أرى أن التطوير الحقيقي لم يكن فقط في إحلال الشاشات الذكية مكان السبورة التقليدية، بل في «عقلية» الطالبة السعودية التي أراقب سلوكها يوميًا. إن بناتنا اليوم لا يدرسن لمجرد اجتياز الاختبارات، بل يناقشن الذكاء الاصطناعي، ويبتكرن الحلول، ويطمحن لمنصات التميز العالمية والمشاركة الفاعلة في صياغة مستهدفات رؤية 2030. هذا التحول الفكري هو الانتصار الأكبر الذي حققته المؤسسة التعليمية الوطنية.
وهنا تبرز عبقرية اختيار شعار «عزّنا بطبعنا»؛ فالرأي الذي أؤمن به وألمسه كل يوم هو أن هذا الانفتاح المعرفي الهائل والتطور التقني المتسارع الذي تعيشه طالباتنا لم يأتِ على حساب هويتهن. على العكس تمامًا، إن هذا الجيل الجديد يُثبت للعالم أن الحداثة لا تعني التخلي عن الجذور. إن «الطبع السعودي» من شهامة وجد وجدية واعتزاز بالقيم والتراث البصري العريق للمملكة، هو النواة الصلبة التي تنطلق منها عقول الطالبات نحو العالمية بكل ثقة واقتدار.
إن مقعد الإدارة الذي أشرف بالجلوس عليه يعطيني يقينًا بأن المدرسة ليست معزولة عن حراك الدولة، بل هي المصنع الأول لقراراتها المستقبلية. في الذكرى السادسة والتسعين لتوحيد مملكتنا الغالية، أرى من موقعي التربوي أن الاستثمار في فكر هذه الأجيال، وغرس قيم الولاء والانتماء الممتزجة بالعلوم الحديثة، هو الضمانة الحقيقية لاستمرار هذا العز الإنساني والتنموي، لتظل راية التوحيد خفاقة، ويظل إنسان هذا الوطن عزيزًا.. بطبعه وبعلمه وبانتمائه.
وفي ختام هذه الكلمات التي تفيض حبًا وولاء، أرفع أكف الضراعة إلى المولى العلي القدير أن يتغمد برحمته الواسعة باني هذا الكيان العظيم، وأن يجزي أولئك الرجال الأوفياء الذين وهبوا أرواحهم لبناء هذا الوطن الحبيب وحمايته خير الجزاء. كما نسأله جل وعلا أن يديم على بلادنا الغالية واحة الأمن والأمان، وأن يحفظ مكتسباتها وعزها في ظل قيادتها الحكيمة، لتبقى رايتها شامخة عصية على كل عادٍ وحاقد. وندعوه سبحانه بقلوب ملؤها الحب والوفاء، أن يمد بعونه وتوفيقه قائد مسيرتنا ورمز نهضتنا المباركة، خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وعضده الأمين سمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان ـ حفظهما الله ورعاهما ـ وأن يسدد خطاهما لكل ما فيه خير البلاد والعباد.