في العام المنصرم، رأيت أطفالًا من جنسية عربية يتسولون بصورة متكررة عند عدد من الإشارات الضوئية في أحد الشوارع الرئيسية في شرق الرياض. لم يكن المشهد عابرًا أو مرتبطًا بساعة متأخرة من الليل، بل كان يتكرر صباحًا وظهرًا، في الوقت الذي يفترض أن يكون فيه هؤلاء الأطفال داخل مدارسهم.

أبلغت الجهة المسؤولة عن مكافحة التسول، وانتظرت أيامًا آملًا أن تُعالج المشكلة وينتهي تسول الأطفال في تلك المواقع، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث. وعندما عاودت الاتصال، قيل لي إن الفرق المختصة وصلت إلى الموقع، إلا أن الأطفال هربوا عند حضورها!

لكن هروبهم لا يمكن أن يكون مبررًا لإنهاء المهمة؛ فالطفل لن يقف منتظرًا وصول الفرقة، وهروبه سلوك متوقع في مثل هذه الحالات. وإذا كان حضور الفرق لا يؤدي إلا إلى اختفاء المتسولين لبعض الوقت ثم عودتهم بعد مغادرتها، فالمشكلة ستظل قائمة مهما تكررت الجولات.


وهنا يظهر الخلل في المعالجة بوضوح، فما جدوى الجولات إذا لم تمنع تكرار الحالة، ولم تساعد على معرفة من يقف خلف هؤلاء الأطفال؟ إن استمرار المشكلة في موقع معروف وعلى مدى طويل يستدعي مراجعة جدية لفاعلية الضبط والمتابعة الميدانية، لأن نجاح المكافحة لا يقاس بمجرد الوصول إلى الموقع، بل بما يحدث بعد ذلك.

لا تقف المشكلة عند مجرد التسول في الشارع، فوجود الأطفال في هذه المواقع يفتح بابًا لأسئلة أكثر خطورة. فقد يكون الطفل واقعًا تحت استغلال أسري أو فردي، وقد تقف خلف بعض الحالات مجموعات منظمة ترتبط بالاتجار بالأطفال أو اختطافهم واستغلالهم في التسول. وإذا كان الطفل يحقق دخلًا يوميًا لمن يقف خلفه، فإن ذلك يشجع على استمرار استغلاله، وربما الزج بأطفال آخرين في الدائرة نفسها. وفي مثل هذه الاحتمالات لا يكون الطفل هو المشكلة، بل ضحيتها.

السؤال الحقيقي ليس: لماذا هرب الطفل؟ بل، من أرسله للتسول في هذه المواقع؟ من يعيده إليها؟ ومن يراقبه؟ ومن يحصل على المال الذي يجمعه؟ فالوصول إلى الإجابة عن هذه الأسئلة أهم من مجرد إخلاء الإشارة منه لساعات معدودة.

ولا تقف خطورة هذه الحالة عند الاستغلال المادي؛ فهؤلاء أطفال يُفترض أن يكونوا في مدارسهم، وأن تُلبّى احتياجاتهم الوجدانية من الحب والاهتمام والرعاية. كما أن وجودهم في هذه المواقع يضعهم في واقع قاسٍ لا يناسب طفولتهم، ويعرّضهم لحرارة الشمس وخطر السيارات. ولا يقتصر الضرر على ما يواجهونه يوميًا، بل يمتد إلى تكوينهم النفسي والسلوكي؛ فقد يؤدي اعتيادهم المبكر على القسوة والإهمال وسوء المعاملة إلى إضعاف شعورهم بالأمان وثقتهم بالآخرين، وزيادة قابلية بعضهم للسلوك العدواني أو المضاد للمجتمع. وقد تمتد هذه الآثار إلى مستقبلهم، فتزداد احتمالات الانحراف والانخراط في الجريمة حين يتولى الشارع تشكيل شخصياتهم بدلًا من الأسرة المستقرة والمدرسة.

لقد مضى عام، وما زال المشهد قائمًا في المكان نفسه. ولذلك لم يعد مقنعًا أن يكون هروب الأطفال هو آخر ما نعرفه عن البلاغ. فالغاية ليست أن يهرب الطفل من الإشارة الضوئية عند وصول فريق الضبط، بل ألا يجد من يعيده إليها في اليوم التالي.