في كتابه «الزمن المدياتيكي: معضلة الفضاء السيبرني» (أركاديا للنشر والتوزيع - 2026)، يتتبع الباحث والأكاديمي التونسي د. عبد الله الزين الحيدري كيفيات تشكل الوجود في عصرنا الراهن، متوقفاً أمام سؤالي الزمن والميديا، في بيئة غير عادية، متحركة، متموجة، تقوم على «إنتروبيا» متأرجحة بين الارتفاع والانخفاض، بين التنظيم والفوضى. غير العادي فيها يتمثل في إمكانية تحويل ما هو مادي وصلب إلى طاقة رقمية ديناميكية، تولد الاستقطاب وتعيد صوغ المعنى. هذا عدا أنها تفرض علينا حالة وجود كمومي (Quantum Existence). نحن، «هنا» و«هناك» في آن واحد، نعيش تداخلاً بين الوجود الرقمي والفيزيائي. وهذا ما يشير بقوة إلى وجود متعدد الطبقات، حيث ينصهر الزمان والمكان التقليديان في بيئة سيبرنية متغيرة.

ولأن «الوجود»، بنظر الكاتب، لم يعد يختبر في ما هو قائم ومتحقق، إنما في ما هو جار، متدفق، ويتكون باستمرار داخل مجرات ميدياتيكية تعيد تنظيم العلاقة بين الزمن والتجربة والمعنى، ولاسيما أن الميديا تعد بمثابة بنىً زمنية - إدراكية تدير إيقاع الظهور والاختفاء، الحضور والغياب، القرب والبعد، فإن الزمن الذي يعالجه الكاتب هو زمن سيبرني تتشكل أليافه داخل شروط ميدياتيكية تصنع طرائق الوجود. ولكي يجيب عن سؤال الوجود المزدوج المادي والرقمي، تجاوز د. الحيدري نظريات علوم الإعلام والاتصال التي تدور في فلك التأثر والتأثير، لينقب في مديات حقول الفلسفة والرياضيات والفيزياء.

الزمن في أدبيات الإعلام والاتصال


تحت هذا العنوان يشير الفصل الأول من الكتاب إلى أن الزمن ظل ينبض بالأسئلة الملحة والجدل المستمر، وأنه شكل منذ القدم هاجساً فكرياً وعلمياً شغل الفلاسفة والفقهاء والمفسرين، واللغويين والنحاة والفيزيائيين والرياضيين والأدباء على مر العصور. ويتوقف عند ثلاثة مسارات للزمن: الأول يعرف بـ السهم السببي وبيانه، كما ورد في قول أفلاطون، «كل ما يولد، يولد بالضرورة من سبب»؛ والثاني هو سهم الدينامية الحرارية التي تمثل أحد مجالات الفيزياء المهتمة بدراسة السلوك الحراري للأجسام. بمعنى أن أي تحول ديناميكي حراري يولد بالضرورة حالةً من عدم الانتظام والفوضى أو العشوائية المعبر عنها بالأنتروبيا؛ المسار الثالث هو السهم النفسي، الذي يركز على الخبرة الذاتية للزمن، تلك التجربة التي تتشكل من خلال الإدراك والسياقات المادية والرمزية المحيطة بالفرد، والمكيفة لإطاره المرجعي.

ثم ينتقل إلى الكلام على ما سماه «معضلة الحاضر»، هذه الفكرة التي ظلت عبر تاريخ النظريات الزمنية فكرةً عائمة مراوغة، تستعصي على التحديد، فكرة جاذبة لكتلتين زمنيتين هما الماضي والمستقبل. ويعرج على موضوع الزمن في بحوث الإعلام، مشيراً إلى أن الأدبيات العربية لم تطرح مشكلية الزمن كمسألة ميدياتيكية لا في مستوى البحث العلمي ولا في برامج التعليم والتكوين، على الرغم من أهمية السياق الذي تزايد فيه الاهتمام بالدراسات الإعلامية وبتكنولوجيا الاتصال.

ومن ضمن الأدبيات العربية ينوه بكتاب «تجمع الباحثات اللبنانيات» السابع عشر: «الزمن: مقاربات وشهادات»، ويصنفه على أنه الأثر الأبرز في مقاربة الزمن من اعتبارات ميديولوجية وسوسيو ثقافية معقدة. ويذكر دراسته: «الفضائيات العربية والزمن الاجتماعي» الذي تضمنه كتاب الباحثات، والتي اعتنت بمشكلية الزمن في بعده الميدياتيكي. وينفذ من هذه المراجعة إلى إعلان حرصه على تضمين المسألة الزمنية في خططه الدراسية لمقررات الإعلام، ولو جزئياً، انطلاقاً مما لاحظه من قطيعة إبستمولوجية بين المعرفة النظرية والمعرفة العملية؛ ثم ينتقل للكلام على الزمن الميدياتيكي، فيغوص في المفهوم وأبعاده ومعانيه ومستوياته، بالنظر إلى خلو البحوث والدراسات الإعلامية العربية من كلمة «ميدياتيكي» كتعبير عن حال من الانشباك بين «الإعلامي» و«الاتصالي»، بين الإنساني والتكنولوجي، بين الرمزي والأداتي، ولاسيما أن المسافة بين الإعلامي والمدياتيكي هي المسافة ذاتها بين الضبط والاستقطاب.

ولأن ظهور السيبرنتيك أحدث متغيرات عميقة في دينامية العلاقة بين الإنسان والآلة، إذ باتت الحركة التي هي أساس إدراك الزمن تجسيداً جوهرياً لهذا التداخل المستمر، فإن الكاتب يشدد على أن ظهور السيبرنتيك فرض ضرورة التناهج والتحاور بين العلوم لإيجاد حلول للمشكلات المستعصية والمعقدة التي يطرحها واقع الوضع البشري ببعديه الرمزي والمادي، بخاصة أن مضمار السيبرنتيك نهض على أركان علوم عديدة منها الفيزياء والرياضيات والعلوم الطبيعية واللسانيات. ويشير الكاتب إلى أن الأساس في الفضاء السيبراني ليس السرعة، إنما الكثافة المتزايدة لتدفق المحتوى مقابل كل وحدة زمنية. والكثافة تعبر عن حالة التشابك الكمي كشرط ضروري لحدوث الاستقطاب. فالفضاء السيبراني قبل أن يكون موضوع جذب مطرد هو موضوع حياة، من دونه تغدو حياتنا خارج الزمن.

«الزمن اللولبي والاستقطاب السيبرني»

في الفصل الثاني المدرج تحت هذا العنوان، يجد الكاتب في إدمان الإنترنت مساراً فردياً في ارتباط جدلي بمسار اجتماعي هيمنت فيه قوى رأس المال المادي والرمزي، الفاعلة في المجتمع، على صناعة الرأي والترفيه والاستقطاب، وهيمنت فيه التكنوبوليه الرقمية (Digital Technopoly) على كل أشكال المراقبة الاجتماعية إلى حد ظل فيه الإدمان في قلب السيطرة والمراقبة الاجتماعية غير الرسمية الجارية في فلك الويب.

إزاء الأجواء المفعمة بالانفعال، الموغلة في التعددية وازدراء القيم الكبرى، يتوقف عند ظاهرة العشائر الإلكترونية التي تستمد أسباب تماسكها وتذررها في آن واحد، من الرغبة في التطابق والعيش مع الشبيه في حدود بيئة تواصلية تميزها روابط وصلات متزامنة لفضاءات مختلفة وكائنات بشرية وشبكات إلكترونية معقدة ومتمددة بكثافة، ما يجعل الاحتكام إلى الأحاسيس والمشاعر السمة البارزة للمناخ العشائري المتفسخ من قيم الاحتكام إلى العقل.

ويرى أن فهم حقيقة الذباب الإلكتروني منوط بنظرة تاريخية حول كيفية اشتغال الفضاء العمومي، وخصوصاً أن صناعة الرأي العام تحررت اليوم من براديغم الضبط لتستقر في براديغم الاستقطاب. عندها تغدو مهمة الذباب هي الجوسسة بمعناها الأمني، والتصدي للرأي العام المخالف بمعناه السياسي، وزرع التشويش. ولأن هذا الذباب غدا بارعاً في صناعة المفاهيم والمصطلحات التي يتعين عليه تردادها بقوة، وبالتالي يصبح البقاء للأكثر طنيناً، فإن حرية التعبير تحولت إلى معضلة بحد ذاتها.

كذلك رأى أن إشكالية الحقيقة تعكس حالةً تكنو ثقافية أوجدت نوعاً من الانشباك الشديد بين المادي واللامادي، بين الواقعي والافتراضي، ما يجعل الحقيقة مشجرة بالشيء ونقيضه. واستخدام الكاتب لنظرية الشبكة الفاعلة مرده أن المجتمعات المعاصرة تتحرك في داخل سياق عالمي مضطرب، مشحون بالتقلبات السريعة غير القابلة للتنبؤ، حيث يمكن لظاهرة فردية الانزلاق سريعاً إلى حيز العمومية.. والعكس صحيح. أخيراً، يجد الكاتب أن الجوهر السيبراني قد تجاوز الحدود التقليدية للمكان ليصبح ظاهرةً تنبثق من تفاعل الزمان والتكنولوجيا والوعي.

«الوعي المنغمس والثقوب السوداء الرقمية»

تحت هذا العنوان، ينظر الكاتب من خلال الفصل الثالث لكتابه إلى الوعي في الفضاء الرقمي على أنه متشابك موزع، متحرر من المكان غير منفصل تماماً عن حاضر الوجود. ويجد فيه ظاهرةً ديناميكية قابلةً للتمدد والانكماش، تتسم بالمرونة والتطور المستمر. من هذا المنطلق، يتعقب درجات الوعي، ليستكشف مراتب الوجود السيبراني، بهدف تثبيت خريطة أنطولوجية عميقة للوعي السيبراني، مصنفاً الطبقات الأساسية التي تتيح فهم معادلة الاندماج بين العالم الفيزيائي والسيبراني، حيث المادي وجود ذائب في الرقمي، والرقمي ذائب في المادي؛ إذ ينطلق من السياق السوسيولوجي لما سماه «الوعي المنغمس»، متتبعاً تجربة الانغماس عبر محطات أساسية، بدءاً من المجتمعات الزراعية، مروراً بالمجتمعات الصناعية، وانتهاءً بالمجتمعات التكنوبولية (Technopoly)، حيث انتقلت المتعة من مجالها الفيزيائي الملموس المرتبط بالسلع والاستهلاك المباشر، إلى فضاء رقمي يدمج المتعة بالافتراضية، ويعيد صوغ الرغبات الإنسانية في إطار سيبرني غير مسبوق؛ حيث يتضح كيف يميل الوعي، إما نحو الانحدار والانغماس العميق في الجاذبية الرقمية، أو يرتقي إلى مراتب الوعي الإضافي حيث تتجاوز الدينامية السيبرنية حدود التجربة التقليدية للوجود.

أما عن توقف المؤلف عند مسألة الثقوب السوداء الرقمية، فذلك للتحذير من تبني التكنولوجيا بلا نقد أو فهم، مستعيراً بعض المفاهيم الفلكية لبيان كيف تعمل الظاهرة الرقمية لتجربة المتعة بطريقة مشابهة للظاهرة الفيزيائية. وبحسب ذلك يكون الاستعمال النظري للجذب من حيث هو قوة سحب فائقة للمواد والضوء لا يمكن مقاومة تأثيره، مناسباً تماماً لمعنى الجذب التكنولوجي، ويكون التسارع الجاذبي الذي تتعرض له الأجسام عند اقترابها من الثقوب السود مطابقاً كلياً للشد القوي الذي تمارسه مواقع المتعة الرقمية على مستخدمي الإنترنت.

وبالطريقة ذاتها التي تحدث فيها الأجسام ذات الكتل الهائلة تشويهاً زمكانياً، يمكن اعتبار الفضاء السيبراني بعداً متأثراً بكتل إلكترونية كثيفة، أطلق عليها الكاتب توصيف «الثقوب السوداء الإلكترونية»، تبتلع الوعي والزمن في دوامات جاذبة لا مخرج منها، محدثةً تشويهاً زمنياً سيبرنياً يبطئ وعي الفرد ويعيد صوغ مساره المعرفي.

في سياق الكلام على الزمن الغائر، يجد الكاتب أن الأدوات التعليمية والمنهجية عاجزة عن مواجهة براديغم التعقيد والتحديات السيبرنية المعاصرة، بالنظر إلى أن الفضاء السيبراني مجال مستمر في التوسع، وكلما توسعت دوائره، ازداد غموضاً وتعقيداً، فما كشف من أطواره حتى الآن يدعونا إلى فهم جديد لأمور منشبكة، أصولها مادية وأطرافها لامادية، أجسادها آلية وأرواحها بشرية. وهو يرى أن الفيزياء قادرة على حشد جميع أدواتها وتوظيفها لتفسير ظواهر الجذب الرقمي ودينامية الاستقطاب، وحتى كيفية تشويه مفاهيم مثل الزمن والوعي في الفضاء السيبراني.

ويستثمر الكاتب بعض المفاهيم الفيزيائية ليلقي الضوء على أبعاد جديدة في ديناميكية الفضاء الرقمي. على سبيل المثال، التفكير في الكثافة كمقياس للتمركز والتركيز، يعني التفكير في الوعي بجميع طبقاته كتجربة زمنية. فللوعي كثافة كلما كانت كبيرة، كان الوعي «صلباً» لا تناله جاذبية الثقوب السوداء الإلكترونية، وكلما كانت دون ذلك، كان الوعي سائلاً مهيئاً للابتلاع في لجج المتعة السيبرنية. ويشير إلى الأنتروبيا على أنها وسيلة لصنع القوة والنفوذ في النظام السيبراني، حيث تتحول الفوضى الكامنة والمحتملة في هذا النظام المفتوح إلى مورد استراتيجي تعيد القوى العظمى تشكيله لغرض الهيمنة. ما يعني أن الفوضى في الفضاء السيبراني لا تعتبر حالة انهيار، بل طاقة خام يمكن تكريرها لتصبح وقوداً لنظام جديد، أو بالأحرى لإعادة تشكيل النظام. هذا التحول يعيد تعريف التوازن ليصبح حالةً غير ثابتة وديناميكية مستمرة، تتحول فيها معايير الحق والباطل والخير والشر إلى أدوات مرنة يعاد صوغها وفقاً لديناميات السيطرة والقوى الفاعلة في الفضاء السيبراني.

في اختصار، يختزل هذا الكتاب القيم عصارة الفكر النقدي للدكتور عبد الله الحيدري، ويمثل رافداً معرفياً يتسم بالعمق؛ إذ يتتبع المفاهيم وسياقاتها التاريخية برؤية فاحصة، ويجترح مقاربةً منهجية عابرة للتخصصات تذلل تعقيدات الأطروحة، فضلاً عن تجسيده لضرورة التمفصل والربط البنيوي بين الأبعاد النظرية والتطبيقية في الميدان التعليمي.

*باحثة وأستاذة سابقة في كلية الإعلام - الجامعة اللبنانية.

* ينشر بالتزامن مع دورية افق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.