المتأمل في المنظومة المصرفية الحالية يجد أن المصارف، وإن كانت تبحث عن حقوقها النظامية وهو أمر مفهوم، قد حصنت نفسها بـ«مصدات ائتمانية مطلقة» لا تصدق!، واستغلت هيمنتها الكاملة كطرف قوي يملك الشروط والخيارات في مواجهة المقترض، الذي يأتيهم طالباً للقرض مدفوعاً بحاجته الماسة للاستقرار.
المنظومة البنكية اتخذت كل الاحتياطات اللازمة (وغير اللازمة على حد سواء؟!) في حماية مكتسباتها، بل ووضعت فوائد كبيرة ومركبة خلاف تلك الأصول المرهونة المحيطة بالعقار، لدرجة تجعل المتتبع يوقن بأن كفة الميزان تميل بكامل ثقلها لصالح البنك، وينعدم فيها تماماً شأن المقترض الصغير الذي يجد نفسه الحلقة الأضعف في هذه العلاقة التعاقدية.
ويأتي هذا الإجحاف في وقت تشهد فيه الاقتصادات العالمية تغيرات حتمية متسارعة، تفرض على الجميع التوجه نحو سياسات انكماشية صارمة . وهي ظروف قاهرة عالميا تقابلها مصارف جامدة لا تراعي السياق العام لحياة الإنسان العادي؛ فهذه الحياة بطبيعتها متقلبة بين ليلة وضحاها، وغالباً ما تأخذ مسارات وتغيرات مفاجئة نحو الأسوأ، ونحو ظروف معيشية صعبة لا يتطلع إليها الإنسان العادي أو من هو دونه من ذوي الدخل المحدود.
مع ذلك، تظل عقود المصارف ثابتة (صماء لا تتأثر) بالمتغيرات الاقتصادية المحيطة بالأفراد، ولا تمنحهم أي مساحة للتنفس أو إعادة الجدولة للفوائد بما يتوافق مع تدني القوة الشرائية العامة.
والغريب في هذه المعاملات الجافة أن الدين الإسلامي الحنيف، قد رأف بالبشر عند الاضطرار والشدة ومنحهم الرخص والتيسير مراعاة لضعفهم الإنساني وتقلب أحوالهم.
في المقابل، نجد أن عقلية المصارف تأتي بوجهين يغيب عنهما التيسير تماماً؛ ضمانات قوية راسخة كالجبال الرواسي تحيط بالمقترض من كل جانب، وفوائد مركبة باهظة تثقل كاهل الغني قبل الفقير، وكأن لسان حال هذه المؤسسات يقول في استعراض واضح لشروطها: «أنا لم ألزمك بالقوة على توقيع هذا العقد، ولكنك إن أتيتني مرغماً فعليك تحمل عقاب شروطي المجحفة» دون النظر لما يمر به العالم أو تمر به ظروفك من تقلبات.
وجه الغرابة التمويلية يكمن في تغاضي المصارف عن طبيعة عقد الرهن ذاته؛ فالرهن في أصله هو صمام أمان يحوز فيه البنك أصلاً عقارياً ثابتاً تتصاعد قيمته السوقية مع الزمن بفعل التضخم، مما يجعل معاملة القرض العقاري منعدمة المخاطر تقريباً على الكيان المصرفي. فلماذا إذن يصر البنك على تقاضي فوائد مركبة باهظة وعلاوات مخاطر ثابتة لا تتزحزح طوال عشرين أو ثلاثين عاماً؟!
المنظومات التشريعية في أسواق المال العالمية فرملت هذا الجشع التمويلي؛ حيث تُلزم القوانين المصارف بخفض نسب الفائدة تلقائياً على المقترض، عبر إسقاط علاوة المخاطر كلما تراجعت نسبة المتبقي من الدين، مقارنة بالقيمة السوقية للعقار المرهون.
العقار الذي كان يغطي مئة بالمئة من قيمة القرض بالأمس، أصبح اليوم بفعل السداد المنتظم وارتفاع أسعار الأصول يغطي ضعف المتبقي من المديونية، ما ينفي أي مبرر مالي لاستمرار الفوائد المرتفعة تحت ذريعة «المخاطرة المفقودة».
كما تُجبر القوانين تلك البنوك على إتاحة خيارات «إعادة التمويل المرن» بلا شروط تعجيزية، وفرض نظام «إمهال قانوني ديناميكي» يمنع تسييل العقار أو المساس بالمركز الائتماني للمقترض في أوقات الأزمات الاقتصادية الطارئة وتقلبات المعيشة الحادة.
المصارف ورغم أهميتها الاقتصادية الكبرى وحجمها المؤثر في السوق، لا تصغي لأي نداء عقلاني ولا تملك إذناً تسمع بها.
لا نقول إنه ليس من حق البنك أن يضمن أمواله أو يضع الشروط والفوائد بشكل مطلق، فالعمل التجاري يقوم على الربح والمخاطرة. ولكن الإشكال يكمن في تواري المقترض تماماً من مشهد العدالة التعاقدية وانعدام التوازن بين الطرفين.
من هنا، أصبح لزاماً أن تتدخل التنظيمات المحلية لتقييد تلك القروض بفوائدها وشروطها وتسهيلاتها القائمة منها والمستقبلية، وسن ضوابط «ربط الفائدة ديناميكياً بقيمة الضمان»، بشكل يضمن جودة حياة المقترض لما بعد القرض ويحميه من التآكل المالي المستمر تحت وطأة الظروف العالمية الجديدة.
فالجمود، يحتم صياغة ضوابط ترحم هذا المقترض؛ فالكيانات المالية مهما بلغت قوتها ليست أرحم من الذي أوجد الرحمة وسبقت رحمته غضبه سبحانه وتعالى، ما يجعل مراجعة هذه العقود والفوائد واجباً تشريعياً ملحاً لإعادة جادة الصواب والتوازن للأنظمة التمويلية في زمنٍ تقلبت فيه الأيام.