كتبنا في مقالات سابقة عن خريجي كليات الطب والتخصصات الصحية، وعن ضرورة أن تتوازن مخرجات التعليم مع فرص التدريب واحتياجات سوق العمل. وكان السؤال في الغالب يبدأ من اللحظة التي يغادر فيها الطالب جامعته: ماذا بعد التخرج؟ وهل يجد فرصة التدريب التي تؤهله لبناء مساره المهني؟

لكن هناك سؤالاً آخر بدأ يفرض نفسه، وربما يكون أكثر تعقيداً:

ماذا بعد التدريب؟


فالطبيب الذي حصل على مقعد في برنامج تخصصي، وأمضى أربع أو خمس سنوات، وربما أكثر، بين المناوبات والاختبارات والمسؤولية المباشرة عن المرضى، ثم اجتاز متطلبات البورد أو الزمالة السعودية، يصل في النهاية إلى محطة يفترض أنها بداية الاستقرار المهني.

وهنا قد يفاجأ بسؤال لم يكن يتوقع أن يواجهه بهذه الحدة:

بعد الزمالة السعودية... أين يذهب الطبيب؟

لا يعني طرح هذا السؤال أن كل من يحصل على البورد السعودي يجب أن تنتظره وظيفة حكومية، ولا أن وزارة الصحة ينبغي أن تبقى الموظف الوحيد للكفاءات الصحية. فهذا تصور لم يعد ينسجم مع شكل القطاع الصحي الجديد.

لدينا اليوم الصحة القابضة والتجمعات الصحية، والقطاعات الحكومية الأخرى، والمستشفيات الجامعية والعسكرية والتخصصية، إلى جانب قطاع خاص يتوقع منه أن يؤدي دوراً أكبر في تقديم الخدمات الصحية. أي إن سوق العمل اتسع وتعدد مقدموه.

ولهذا فإن القضية، في جوهرها، ليست قضية توظيف بقدر ما هي قضية تخطيط.

فالطبيب الذي يبحث اليوم عن موقع يمارس فيه تخصصه لم يظهر فجأة أمام سوق العمل.

قبل خمس سنوات كان معروفاً أنه بدأ برنامجاً تدريبياً. وكان معروفاً عدد المقبولين معه، وتخصصاتهم، ومدة برامجهم، والموعد التقريبي الذي سيدخلون فيه سوق العمل.

أي إننا نستطيع، بدرجة معقولة من الدقة، أن نعرف اليوم كم طبيب قلب، أو تخدير، أو طب أسرة، أو أطفال، أو جراحة سيصبح مؤهلاً للعمل بعد أربع أو خمس سنوات.

وفي الجهة المقابلة، يجري تحول صحي واسع يعيد رسم خريطة الخدمات في المملكة: تجمعات صحية، ونماذج رعاية جديدة، وتوسع للقطاع الخاص، وتغير في توزيع الخدمات بين المستشفيات والرعاية الأولية والمجتمع.

ومن هنا ينبغي أن تلتقي خريطتان لم يعد من المناسب أن تسيرا كل واحدة منهما في طريق مستقل:

خريطة من نُدرّبهم اليوم، وخريطة من سيحتاجهم نظامنا الصحي غداً.

هذه هي النقطة التي ينتقل عندها الملف من إدارة التوظيف إلى هندسة القوى العاملة الصحية.

فالسؤال ليس فقط: كم وظيفة شاغرة لدينا هذا العام؟

بل: ما التخصصات التي سنحتاجها بعد خمس وعشر سنوات؟ وفي أي مناطق؟ وبأي أعداد؟ وما أثر تغير نموذج الرعاية والتقنية والقطاع الخاص على هذا الاحتياج؟ وهل تتوافق المقاعد التدريبية التي نفتحها اليوم مع تلك الصورة المستقبلية؟

وقد يكون من السهل تفسير بعض صعوبات المرحلة الحالية بأنها جزء طبيعي من تحول بهذا الحجم. وهذا صحيح إلى حد ما؛ فالتحولات الكبرى لا تحدث بلا تحديات.

لكن التحول لا يلغي التخطيط المستقبلي، بل يجعله أكثر ضرورة.

لذلك ربما لا يكون السؤال الأدق: لماذا لم يحصل هذا الطبيب أو ذاك على وظيفة؟

السؤال الأهم هو:

هل لدينا منظومة وطنية مترابطة تعرف من نُدرّب، ومتى سيتخرج، وأين سيعمل، وما التخصص الذي ستحتاجه كل منطقة وكل تجمع صحي خلال السنوات القادمة؟

هذه ليست بيانات إدارية فقط، بل بوصلة يمكن أن يستفيد منها الجميع.

فالطالب يحتاجها قبل أن يختار تخصصه. والطبيب يحتاجها قبل أن يبدأ سنوات طويلة من التدريب. والجامعة وهيئة التخصصات الصحية تحتاجانها عند التخطيط للمقاعد والبرامج. والتجمعات الصحية والقطاع الخاص يحتاجانها لبناء قواهما العاملة. وصانع القرار يحتاجها حتى لا تتحول الوفرة في تخصص إلى بطالة، بينما يبقى النقص قائماً في تخصص آخر أو منطقة أخرى.

والأهم أن إتاحة قدر مناسب من هذه البيانات للناس ستجعل القرارات المهنية أكثر وعياً، وتخفف كثيراً من القلق والتوقعات غير الواقعية.

لسنا أمام مشكلة طبيب يبحث عن وظيفة فحسب، بل أمام فرصة لبناء منظومة تستطيع أن ترى احتياجاتها قبل أن تصل إليها.

فالنجاح الحقيقي ليس أن نسأل الطبيب بعد حصوله على الزمالة: أين ستذهب؟

بل أن تكون المنظومة قد عرفت، قبل سنوات، أين ستحتاج إليه.